وهنا مجال لأن يذكر بالخير محمد عبد الله بيهم الذي كانت له أيادي بيضاء على المؤسسات العلمية والذي كان في طليعة أعيان بيروت حشا للمسلمين على الترود بالمعرفة. وقد ملأ جدران بيروت وغيرها من المدن بشعارات تدعو إلى الإقبال على العلم من أمثال:
(تعلم يا فتى فالجهل عار).
فهذه المدارس الوطنية كلها أخرجت شبابا كان لهم في خدمة هذا البلد ورفع اسمه نصيب كبير، ولكن العيب فيها أنها كانت تخلق نهضة طائفية لا أثر للجامعة الوطنية فيها.
أما وأن خريجي هذه المدارس لم يجدوا في وطنهم الجو الملائم للإعراب عن أفكارهم، أو لتأمين معاشهم فقد اضطر كثيرون منهم للهجرة، وكانت مصر، في عهد الخديوي إسماعيل، أقرب البلاد إليهم، وأرحبها صدرا لاستقبالهم فأمها فريق منهم، وأقاموا فيها نهضة صحافية جبارة كانت تتمثل بمجلسي المقتطف والهلال، وبجريدتي الأهرام والمقطم، ثم هاجر آخرون إلى مصر في مستهل عهد الاحتلال الإنجليزي ومنهم من أصبحوا هناك في عداد أقطاب التجارة. وفضلا عن هؤلاء فإن فئة من المثقفين انتشروا في أوربا والأميركيتين، ورفعوا راية لبنان والعروبة عالية حيث حلوا سواء أكان في الثقافة أم في التجارة أم السياسة على أن المتخلفين من المثقفين لم يهنوا ولم يستكينوا أمام الضغط التركي الحميدي، بل راحوا يستفيدون أيضا من ثقافتهم. وعلاوة على إنشائهم المدارس والمطابع فقد أصدر خليل الخوري جريدة الأخبار (1857) وبطرس البستاني فقيد سوريا (1860) وبطرس البستاني وولده سهم مجلة الجنان (1870) وجريدة الجنة، ثم تدفق سيل الصحف تباعا، ولا سيما عقب إعلان الدستور الثاني سنة 1908. وما زال يتدفق حتى أصبحت بيروت بالنسبة لعدد السكان أكثر بلاد العالم صحافة.
وفي تلك الحقبة التمعت في بيروت أسماء كثيرين من الأدباء نساء ورجالا نذكر منهم، بالإضافة إلى أصحاب الصحف، إبراهيم الحوراني والأمير شكيب أرسلان ومصباح رمضان، وإبراهيم اليازجي، وفضل القصار وحسن بيهم، وزينب فواز، وهنا كوراني واستير موبال.
ما كان لوضع لبنان الاقتصادي من أثر في النهضة الثقافية.
لما تفاقمت المراجعة بين الدول الصناعية على تصريف مصنوعاتها اتخذ كل منها في سواحل الشرق الأدنى مراكز تجارية لتكون نقطة الانطلاق لنشر هذه السلع في الشرقين الأدنى والأوسط. وكان أهمها موانئ أزمير والإسكندرية وبيروت.
وكانت بيروت في العهد العثماني صلة الوصل بين المغرب من جهة وبين سوريا الكبرى والأناضول والعراق وإيران من جهة ثانية، فازدهرت وتزايد عدد سكانها، ولا سيما بعد ثورة لبنان المعروفة بثورة 1860 وقامت فيها الشركات دوات الامتياز كشركات الماء والغاز والخطوط الحديدية D.H.P. والمرفأ والبنك العثماني، وحصر الدخان. وناهيك بالشركات الأخرى والمؤسسات من أجنبية ووطنية.
وهذا الازدهار المطرد في الناحية الاقتصادية رافقه بصورة طبيعية أقال الشباب على المدارس والمعاهد العلمية بغية الاستعداد للاستخدام في هذه الشركات والمؤسسات، فضلا عن الوظائف الحكومية التي كانت تتعدد، وتتزايد تبعا لتوسع الجهاز الحكومي وإلى هذا سنحت وقتئذ فرصة أخرى ملائمة وقتئذ للمثقفين اللبنانيين وذلك في البلاد العربية التي تطورت ولم يكن عندها من أبنائها ما يملأ الفراغ إبان هذا التطور.
وكذلك لما شرع تجار بيروت يبنون اقتصادياتهم على أسس جديدة متوكلين على أنفسهم دون الأجانب ازدادت الحاجة إلى الشباب المثقف. ثم برزت حاجة ماسة إلى الأخصائيين والفنيين عندما أقبل أولئك التجار على إنشاء المصانع، وعند ما أقبلت الحكومة على تعمير المرافق. وتجاوبا مع هذه الحاجات المختلفة خف كثيرون من متخرجي المعاهد العلمية في