عاصمتها، وكانت تعلق إنشاء المطابع على رخصة مسبقة منها ولكن الثورة الفرنسية وما خلفت من أحداث، وأهمها فتح باب المسألة الشرقية على مصراعيه فإنها كانت حافزا للسلطان سليم (1789 ـ 1808) على التفكير بالمصير فوطد العزم على إصلاح الجيش ونشر المعارف على غرار أروبا. ولقد كبر هذا العزم على طغمة المحافظين فأثاروا الانكسارية على السلطان وخلعوه وقتلوه بتهمة الفكر، وكان وراءهم بعض الدول المستعمرة التي أرادت دفن كل إصلاح في تركيا بدفن من يفكر فيه كيلا يؤخر الإصلاح إدراكها نصيبها من تركة الرجل المريض.
ولما استوى محمود الثاني على عرش السلطنة (1808 ـ 1839) ثار للسلطان سليم بالقضاٍء على الانكشارية، وتبنى برنامجه الإصلاحي. وعلاوة على إنشائه الجيش الحديث فقد أقام في العاصمة المدارس الابتدائية والمعهد الطبي، وأوفد البعثات إلى المعاهد العلمية الأوروبية.
ثم لما أمسى الباب العالي بالآستانة واطئا حيال الدونبينج ستريت وسائر الدول التي أنقذت السلطان عبد المجيد (1839 ـ 1861) من الغزو المصري لم يسع هذا السلطان إلا الامتثال لنصائح حلفائه فنشر «التنظيمات» وغيرها من اللوائح الإصلاحية، واستهل عمله بإنشاء المدارس المعروفة بالرشدية والإعدادية في بعض الولايات. ثم ما أن صار العرش للسلطان عبد العزيز (1861 ـ 1876) المعاصر للخديوي إسماعيل بمصر، وكان كلاهما متجددا وعمرانيا حتى تبدل الجو، وأصبحت العناية بنشر العلم وتنشيط الأدب هواية لهما. وكم لهما من أياد بيضاء على الأدباء والعلماء بما بذلا لهم من المال والتنشيط؟ وكان بطرس البستاني، وأحمد فارس الشدياق، ومارون النقاش وسليم الخوري في طليعة الذين أدركوا رعاية هذين العاهلين. على أن السلطان عبد الحميد الثاني (1876 ـ 1909)، الذي كان معروفا بالتضييق على الحريات، لم يسعه مع ذلك إلا مجاراة تيار التقدم العالمي. فاستهل حكمه بإنشاء المدارس الرشدية والإعدادية والعسكرية في ولاية بيروت وغيرها.
والواقع أن هذه المدارس إنما كانت تعني بإخراج الموظفين من مدنيين وعسكريين. فلم يقبل عليها إلا الراغبون في هذه الوظائف، وهم قلة في ولاية بيروت، خلافا للبلاد العربية الأخرى. ومن هنا ظل المجال مفتوحا أمام المدارس والمعاهد الأجنبية لتتولى تربية النشيء الجديد على هوى كل منها حتى لم يبق في هذا البلد رأي عام، ولم يبق فيه أثر للوحدة الوطنية.
ما كان للمنافسة الغربية من فضل في بعث النهضة العلمية الوطنية:
دولة أجنبية كانت تحكم بيروت ولبنان في القرن التاسع عشر، ومدارس أجنبية كانت تستأثر بتربية الناشئة وتعليمها. فكانت العاقبة أن البلدين فقدا القيم الوطنية، واختلفا عليها، واعتمد في تقرير المصير على ما توحيه المشاعر الدينية وروحها، وبهذه المشاعر أدرك أولو الألباب من البلدين ما سوف تكون العاقبة إذا استمر أولادهم يتربون ويتعلمون في مدارس أجنبية لكل منها طابع مذهبي خاص، وهدف سياسي. وفي غمرة هذا الإشفاق على المصير فكرت كل طائفة من طوائف لبنان في الاعتماد على نفسها. فإذا بنا نرى هذه الطوائف تبادر إلى فتح المدارس، وكانت كلها ما عدا المدرسة الوطنية التي أنشأها بطرس البستاني (1863) مدارس ذوات صبغة مذهبية وملية: فقد أنشأ الروم الارتوذكس مدرسة الثلاثة أقمار في سوق الغرب (1852) التي انتقلت من بعد إلى بيروت، والدرور المدرسة الداودية في عبيه (1862).
والكاثوليك المدرسة البطريكية (1866)، والموارنة مدرسة الحكمة (1875)، واليهود مدرسة الاتحاد الإسرائيلي (1884) وفي هذا الاسم دلالة على أن أمانيهم المعروفة كانت قديمة وشاملة، وأما المسلمون فقد ألفوا جمعية المقاصد الخيرية (1295 هـ = 1878) التي تولت مهمة فتح المدارس الابتدائية للذكور والإناش. حتى إذا دخلت سنة 1895 نهض الشيخ أحمد عباس وفتح المدرسة العثمانية التي تحولت بعد سنين قلائل إلى كلية نشأ في أحضانها رواد الحركة العربية.