تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والأرجح عندي أن الإنجليز هم الذين أثاروا الأمريكان في عزلتهم باسم الدين، و**** لإيفاد هذه البعثات إلى الشرق الأدنى في غضون الحرب الباردة التي كانت تنشب بينهم وبين الأمرسيين حول هذه البلاد، وذلك بغية أن تكون تلك البعثات ظهيرة لهم ضد اللاتين.

وكانت تركيا توصف وقتئذ بالرجل المريض حسب تعريف نقولا قيصر روسيا، وكان المستعمرون يترقبون موتها واقتسام إرثها. وكانت فرنسا ترى أن بلاد الشام، وفي مقدمتها لبنان، حق طبيعي لها في هذا الإرث، فشق عليه نشاط الإرساليات الأمريكية التي لا تختلف في نظرها عن البعثات الإنجليزية فوثبت إلى العمل، واستعانت برجال الدين، رغم أنها لم تكن تواليهم، وعززتهم بالمال فإذا بالآباء العازاريين يفتحون مدرسة لهم في قرية عينطورا بلبنان (1843) وإذا باليسوعيين يفتحون مدرسة أخرى في قرية غزير (1844). وهكذا دواليك حتى امتلأ لبنان بمدارس الرهبان والرهبنات من الأجانب.

وكانت الدول الباقية التي تراقب هذا الصراع بين لندن وباريس، وتمني مثلهما أنفسها بأن تنال نصيبا من الإرث تعلم بأن فتح القلوب من شأنه أن يسهل فتح المعاقل، وأن ليس أفضل لفتح القلوب من أمثال هذه المدارس، فإذا بالروس والألمان والإيطاليين فضلا عن الإنجليز، يبادرون إلى إيفاد مرسليهم للشرق الأدنى في منتصف القرن التاسع عشر، وإذا بهؤلاء ينشئون المدارس في كل مكان ولا سيما بالقدس وبيروت وجبل لبنان. وسرعان ما اشتدت المنافسة بين البعثات الدينية، ولكن أشدها هو ما كان بين الأميركان والأفرنسيين فلما نقل المرسلون الأميركيون مطبعتهم من مالطة إلى بيروت سنة 1846 سارع اليسوعيون إلى إنشاء مطبعتهم الكاثوليكية، ولما نقل الأميركان مدرستهم من عبيه إلى بيروت ورفعوها إلى كلية (الانجيلية 1896) خف اليسوعيون إلى نقل مدرستهم من غزير إلى بيروت وجعلوها كلية. ولما فتح الأميركان في هذه المدينة مدرسة للبنات سنة 1841 بادر الأفرنسيون إلى إنشاؤ اثنتين: مدرسة راهبات القديس يوسف، فمدرسة أخوية ابنة الإحسان (1843). وظلت حدة هذا التنافس تتزايد حتى امتلأت البلاد بالمدارس، وارتفع شأن الكليتين إلى أن أصبحتا جامعتين، أو مدينتين عالميتين حافلتين بكل وسائل التربية والتعليم.

وكان لابد لهذه الإرساليات من نشرات ومجلات يستعين بها على التبشير فظهرت نشرة مجموع فوائد (1851) ومجلة أعمال الجمعية السورية (1853)، ومجلة مجموع العلوم (1868)، وأخبار انتشار الإنجيل (1863)، ومجلة النشرة الشهرية (1866)، فضلا عن مجلة الشرف وغيرها.

وهكذا أصبحت بيروت وجبل لبنان ميدان معركة ثقافية بين الدول حولتها في النتيجة إلى مركز إشعاع بالشرق الأدنى، خصوصا وأن المعركة أثارت نشاط الطوائف الوطنية المختلفة ودفعتها لفتح المدارس حفاظا على كيانها ومذاهبها، أو حفاظا على مبادئها السياسية ..

مساهمة تركيا في نشر المعارف في بيروت وجبل لبنان:

كانت ولاية بيروت وإمارة جبل لبنان حافلتين في القرن التاسع عشر، بالعلماء والأدباء. اشتهر بين المسلمين أحمد البربير (توفي 1811) وأحمد عمر دبوس، وعمر اليافي (ت 1818) وإبراهيم الحر العاملي، والأمير حيدر أحمد الشهابي (ت 1834) والحاج حسين بيهم (ت1809) والأمير محمد أرسلان (ت1864)، وأحمد فارس الشدياق (ت1817) وغيرهم. واشتهر بين المسيحيين عدد من آل اليازجي وآل البستاني، وآل النقاش وعلى رأسهم الشيخ خليل اليازجي، والمعلم بطرس البستاني، ومارون النقاش. هذا فضلا عن رشيد الدحداح (ت1879) وكثيرين غيرهم. وأما بين النساء المسيحيات فعدا السيدات السبع التي كن باكورات المعلمات في المدارس وهن راحيل زوجة بطرس البستاني، وسلامة وجنة وخزما ولولو وكفا وسوسان، فبعد هؤلاء لمع اسم هند نوفل، ووردة اليازجي ومريم نحاس.

غير أن الثقافة كانت على وجه عام محصورة بطبقة خاصة من الناس. وأما عامة الشعب، ولا سيما عند المسلمين فكانت تغلب عليها الأمية حتى أن بعض تجار ذلك العصر كانوا يستعينون بكتاب يدورون عليهم بأقلامهم ومحابرهم لقراٍٍِءة الرسائل التي ترد إليهم والإجابة عليها. وأما السلطنة العثمانية التي كانت في صدر أيامها متصرفة للفتح، والتي أمست في أواخر عهدها منهمكة بالدفاع عن نفسها، ومشغولة بإخماد الثورات في بلادها فهي لم تعن بنشر المعارف إلا في

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٠٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٠٥٢