وفي غضون ذلك تألفت الرهبنات الوطنية لدى الموارنة والروم الملكيين فساهمت في فتح المدارس وفي ترجمة بعض الكتب الدينية اللاتينية إلى العربية، وطبعتها على مطابع إيطاليا التي كانت قد أصدرت منذ أوائل القرن السادس عشر بعض النشرات الدينية العربية والكتب العلمية وأشهرها جغرافية الإدريسي والصالحي وقانون ابن سيناء. ولما لجأ الأمير فخر الدين المعني الثاني إلى توسكانا بإيطاليا، في غرة القرن السابع عشر، شاهد هذه المطبوعات العربية هناك تباع بأثمان معتدلة. على أن اللبنانيين كانوا، قبل ذلك، قد حاولوا الاستغناء عن مطابع أوروبا بإنشاء مثلها في وطنهم لإصدار النشرات الدينية والكتب. وكانت أحرفها باللغة الكرشونية أي كتابة العربية بالأحرف السربانية، ثم كانت أولى المطابع بالأحرف العربية بلبنان تلك التي صنعها الشماس عبد الله زاخر الحلبي في دير مار يوحنا الطبشه بقرية الخنشارة وذلك في أواسط القرن الثامن عشر.
فهذه المدارس والمطبوعات، وكذلك الإرساليات الأجنبية الدينية، التي سنتكلم عنها، كانت نواة النهضة الحديثة. وهي وإن كانت ذات لون ديني إلا أنها لم تلبث أن تطورت مع الزمن، واصطبغت بالصبغة العلمانية.
وهنا مجال للتنويه بما كان لأمراء لبنان الإقطاعيين من أثر في تنشيط النهضة الحديثة. فهم كانوا يحرصون على محاكاة الملوك في تقريب المثقفين ومكافأتهم.
فكانت رعايتهم لهؤلاء في عداد الحوافز للإقبال على العلم والأدب، وحسبنا الإشارة إلى ما كان بين حاشية الأميرين يوسف الشهابي وبشير الشهابي الكبير من أدباء وشعراء. هذا فضلا عن الموظفين المثقفين كسعد الخوري وجرجس باز وفارس جدعون وجدعون الباحوط وغير هؤلاء من أدباء سوريا.
ما كان للسياسة من أثر في النهضة اللبنانية.
شبت الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر فهزت أروبا، ثم انتقلت شظاياها إلى الشرق الأدنى مع نابليون بونابرت حينما احتل القطر المصري وحاول أن يحتل بلاد الشام. وكان نابليون يريد أن يتخذ من البلاد العربية مطية له لإدراك الهند بالاتفاق مع أمرائها، ولكن انجلترا كانت له بالمرصاد فردته على أعقابه، غير أنه لم يتسحب من مصر إلا بعد أن ألقى فيها بذور النهضة، تلك البذور التي نمت وربيت في جيل لاحق.
على أن فرنسا لم تتخل، في أعقاب هذا الاندحار عن أهدافها التوسعية البعيدة المدى، ولم تتخل أيضا عن فكرة الثأر من لندن، فاختارت بيروت وجبل لبنان مركزا استراتيجيا لتحقيق هذه الأماني، وراحت تتقرب من محمد علي عزيز مصر، والأمير بشير الشهابي الكبير أمير لبنان، وتعمل لتوثيق الصلات بينها وبينهما. وكانت خطوتها الثانية إغراء الخديوي بالحملة على بلاد الشام (1831) للانطلاق منها إلى عاصمة آل عثمان. غير أن فرنسا فشلت مرة ثانية حينما ردت تركيا إبراهيم يشينا إلى مصر (1840) وذلك بمؤازرة انجلترا وحلفائها.
وهذا الصراع بين فرنسا وإنجلترا بالشرق الأدنى كانت له نتائج أخرى. ذلك بأن العالم الغربي لم يلبث أن رأى هذا الشرق مشرع الأبواب أمامه بعد أن كان موصدا. وما كان ذلك يعود إلى احتلال نابليون مصر بالقوة، وخروجه منها بالقوة، وإنما يرجع إلى ترحيب الشرق الأدنى نفسه بصداقة الغرب، في أعقاب ما كانت تركيا تخفض جناح الذل للندن وحلفائها الذين حرروها من الغزو المصري، وتصغي لنصائحهم. وحيال هذه البادرة الجديدة التي عرضت وقربت بين الشرق والغرب تحفز هذا الأخير للعمل. وكان الغرب لا يزال يتحسس كثيرا بالمشاعر الملية فإذا به يجعل مدار عمله إيفاد البعثات الدينية للتبشير. وقد وصل أول مرسل أمريكي إلى لبنان في 10 شباط 1821 واسمه لاوي بارتس. ثم لما رأى الأمريكان أن الظروف أصبحت سانحة في أعقاب إخراج انجلترا الجيش المصري من بلاد الشام، وفي إبان النفوذ الذي أصبحت تتمتع به لندن في الآستانة خفوا لإرسال البعثات إلى بيروت وجبل لبنان، وقد اختاروا أول الأمر الأوساط الدرزية للتبشير، وفتحوا مدرسة لهم في عبيه سنة 1846، فكانت طليعة المدارس الكثيرة التي فتحوها بعدئذ في كل مكان بالشام وسائر الأمصار العثمانية.
وقد نشرت إحدى صحف الآستانة في عام 1894 خبرا مفاده: «أن عدد مدارس الأمريكان في السلطنة بلغ وقتئذ 812 واحدة تضم 43037 تلميذا عشرون ألفا منهم من الإناث.»