دعوة الحق، س.6، ع7 /أبريل 1963 .................... ص 56
مقدمات النهضة في لبنان ونتائجها الاجتماعية
للأستاذ: محمد جميل سهم
أتيح للبنان في غضون التمدن الحديث أن يدرك تقدما، في الشؤون المالية والاجتماعية والثقافية، لم يدركه قطر عربي آخر. فما هي الأسباب؟
هذه دراسة لا يستوعبها مقال في مجلة، ولذلك فإني سأقتصر على الناحية الثقافية منها، وألتزم مع الاقتصار الاختصار.
على أن تقدم لبنان في هذه الناحية لا يعود إلى سبب واحد، بل هو نتيجة لعوامل كثيرة ها كم أهميتها:
ما كان للعوامل الدينية من أثر في نهضة لبنان
كان ساحل الشام مجازا لحجاج بيت المقدس، فكان هذا المجاز وسيلة لاختلاط سكانه بأهل التمدن الحديث وذلك في قدومهم وعودتهم ولاقتباسهم أفكار هذا التمدن بالإضافة إلى تلقف أخلاقه وتقاليده.
وكان الأوربيون، ولاسيما الفرنسيون، لا يفتأون يذكرون إخوانا لهم في الدين بلبنان امتزجوا بهم إبان الحروب الصليبية، وظلوا بعد ذلك يوالونهم، ويراسلون عواهلهم، فبدلوهم الود بالود، وبعث هؤلاء العواهل الوفود إليهم لتفقد أحوالهم.
ولما انتهت المرحلة الأولى من الصراع بين الدول الأوروبية وبين السلطة العثمانية وذلك بانتصار السلطان سليمان القانوبي (1520 ـ 1566) تسابقت هذه الدول إلى عقد المعاهدات معه لتأمين مصالحها السياسية والاقتصادية، وتقربت إليه فرنسا ونالت منه حق الاعتراف لها بحماية البطريك الماروني، وسائر نصارى الشرق العثماني.
وكان الموارنة بلبنان قد اعترفوا في القرن الخامس عشر بسلطة البابا، فأفضى هذا الاعتراف إلى عنايته بهم عناية الراعي برعيته. فإذا بالآباء اليسوعيين يبادرون إلى إنشاء مدرسة في روما، أواخر القرن السادس عشر، تعني بتعليم اللغتين العربية والعبرانية وإذا بالبابا غريغوريوس الثالث يأمر، بعد ذلك، بإنشاء المدرسة المارونية (1584) ويسلم إدارتها لليسوعيين فكانت هذه المدرسة نواة نهضة لبنان الثقافية الحديثة: فعدوا أولئك الذين انتشروا في باريس وفلورنسة وفينا وبادوا وغيرها من خريجيها، وأشهرهم الحقلاني والسمعاني وعريضة، وعدا الذين شغلوا وظائف في أوروبا كالقس مخائيل الغزيري الترجمان في بلاط كيرولوس الثالث ملك إسبانيا، فعدا هؤلاء وهؤلاء فإن فريقا منهم عادوا إلى لبنان وتولوا فيه أرفع المناصب الكهنوتية، وكان منهم المطارنة، وكان منهم البطاركة.
وكان هذا الفريق المثقف قد تنشق في أجواء أروبا روح النهضة الحديثة فبثها في أوساط ملته بالإضافة إلى نشره العلم والمعرفة.
وكانت باكورة أعماله مدرسة حوفه عام 1632، ثم مدرسة عين ورقة (1789) وسواهما. على أن النهضة المارونية بلبنان كانت حافزة سائر الطوائف لليقظة ولا سيما الكاثوليك أتباع روما، فأنشأ غريغوريوس الأول راعي الأرض الكاثوليك مدرسة بزمار (1788)، كما وضع مخائيل جروه بطريرك السريان الكاثوليك الأسس لمدرسة الشرفة، وفتح أغابيوس مطر بطريك الكاثوليك مدرسة عين تريز (1811).