اتباع سبل أكثر موضوعية واعتدالا في موضوع علاقاته مع الدول المتخلفة والمحايدة، وعلى الرغم مما تتخذه أكثرية هذه الدول من مواقف غير ملائمة للشيوعية المحلية والمنظمات التابعة لها في مختلف القطاعات والميادين.
على أن الظاهرة المثيرة للاهتمام، والتي تتصل ببعض جوانب السلوك الشيوعي نحو الدول (القومية) وتجاه الأقطار التي تلتزم بفكرة الحياد وعدم الانحياز، هذه الظاهرة هي التي طرأت على جو العلاقات بين روسيا، وبعض الدول العربية في الشرق الأوسط سنة 1959 وذلك بسبب الوضع (الشيوعي) في العراق والتي امتدت لها الآن ذيول أشد وطأة وأبعد أثرا، أما الذيول هذه فهي التي تتمثل في وجود الأزمة الحالية بين بغداد، والعواصم الشيوعية في العالم، وأما مظهر الشدة في هذه الذيول، فهو ما يتجلى في حدة اللهجة الانتقادية المتبادلة، ثم ما ظهر في بعض التجمعات الاحتجاجية الشيوعية التي نظمت أخيرا في بعض العواصم، وصاحبتها مظاهر عنف اتخذت أحينا اتجاها مثيرا جدا.
ولا يبدو أكيدا ـ لحد الآن ـ أن مثل هذه المظاهر التوترية لابد أن تتطور بالعلاقات العراقية السوفياتية، إلى درجة أشد خطورة وسواء، وتؤدي بالتالي إلى إصابة هذه العلاقات إصابة بالغة وفي الصميم فقد ألف المعتادون على تطورات السياسة الدولية السوفياتية، أن هذه السياسة لا تسير دائما في خط التصلب والصرامة المطلقة، بل أنها تتصف عوض ذلك بمرونة ملحوظة تتيح لها قدرا كبيرا من التلاؤم مع الأحوال الطارئة، والسير على خط مطاط، يمكن من اجتناب التصادم الحاسم مع هذه الأحوال، والتباين عنها إلى درجة لا تقبل المراجعة والمداورة، لكن هل يجوز ـ من جانب آخر ـ أن تطوي الأحزاب الشيوعية الأخرى، وخاصة الأحزاب غير الحاكمة، صفحة العراق هذه وتسلم بنتيجة التصادم الحتمي والدائم بين التقدمية العربية والعناصر الشيوعية المتشبعة، وتهضم بالتالي حقائق هذا التصادم، كما تتجلى الآن في الجو اللاشيوعي الذي يسود عراق الثورة اليوم؟ ليس من اليسير حقا الرد على مثل هذا التساؤل بجواب بات وحاسم، إلا أن الذي يمكننا ملاحظته مع ذلك، أنه ـ وإن كان جائزا جدا أن يخفف السوفيات من حدة موقفهم من العراق، إلا أن الدول الشيوعية الصغيرة والأحزاب الشيوعية غير الحاكمة تستبيح لنفسها عادة ـ وفي مثل هذه الأحوال ـ متابعة الجدل القائم ولو بشكل مصغر، وذلك من أجل إعطاء النزاع الواقع صورة مستمرة، وضمان وجوده مطروحا على الصعيد العام ولو من الناحية المبدئية على الأقل كذلك الشأن أيضا في سوريا والعربية المتحدة وفي مختلف البلدان العربية التي تم فيها التصادم العقائدي والاتجاهي بين التقدمية العربية والدولية الشيوعية، وكان ذلك التصادم يقضي بطبيعة الأشياء إلى نتيجته الحتمية المعتادة أي إلى انغمار المذهبية الدخيلة في خضم التيار التقدمي العربي الإسلامي وانجرافها تحت وطأة هذا التيار، إلى نهايات حاسمة وسواء بالنسبة إلى هذا القطر أو الآخر، فإن مصير النزعات الشيوعية ـ غداة اصطدامها بالحركات التقدمية العربية ـ لا يزال بشكل في اعتبار البعض من الشيوعيين الأجانب مشكلة قائمة، ولا يزال هؤلاء الشيوعيون يستمدون من هذه المشكلة المفترضة وسيلتهم إلى إحياء الجدل القديم، ومتابعته على التوالي بين الفينة والأخرى، وإعطائه أحيانا صبغة حادة وبادية الشدة والعنف، وكما هو ملحوظ دائما في أحوال من هذا النوع، فإن الذي يتولى مواصلة الجدل في نهاية المطاف وذلك بعد أن يستنفذ حدته الأولى وإثارته الابتدائية ـ الذي يتولى ذلك هي الدولة الشيوعية الصغيرة والأحزاب الشيوعية غير المسؤولة، سواء في أوربا أو أمريكا اللاتينية أو آسيا أو غيرها، وقد تتصدى في بعض الحالات ـ دول شيوعية كبرى إذا كانت تسودها النزعة المذهبية المتحجرة (الدوكاتية) تتصدى لمواضيع الجدل هذه وتحاول إحياءها من جديد، بل وتوسع من نطاقها إذا اقتضى الحال ذلك، وخاصة إذا كانت تستهدف من وراء كل هذا، لا مجرد الدفاع عن الأقليات الحزبية الشيوعية في البلدان المتخلفة ـ كما تلوح به في الظاهر ـ بل التعريض كذلك بأخصامها من الشيوعيين التعديليين، وخوض المعارك الإيديولوجية معهم على أوسع نطاق ممكن.
وللمرء أن يتساءل بهذا الصدد: ما علاقة الواقع الثوري العربي بكل هذه الأحوال النزاعة المعقدة التي تسود عالم الشيوعيين؟ ولماذا تقحم القضايا التقدمية العربية، والاتجاهات التطورية الذاتية بالعالم العربي في خضم هذا الجدل القائم بين الدوكاتيين والتعدليين ولا شيء يقحم في نطاق ذلك أيضا حتى جانب العلاقات مع بعض الدول العربية التي تتخذ الأحوال العقائدية فيها اتجاها غير ملائم لصالح الشيوعيين؟