في أوربا الشرقية، وكذا منغوليا في أواسط آسيا ـ نجاح هذه القيادات جميعها في اصطناع علاقات أكثر إيجابية وتحررية، مع مختلف دول العالم الأخرى، بما فيها دول العالم الثالث وكان الطابع العام الذي يدمغ سلوك الحكومات الشيوعية بهذا الصدد هو طابع التحرر من المبدأ القاضي بإخضاع الوجهة الديبلوماسية للدولة لمصالح العقيدة التي تدين لها، ومن غير شك فإن هذا النهج الواقعي الذي آثرع السوفيات وشركاؤهم في حلف فارسوفيا ـ كان ذا تأثير إيجابي على ارتباطات موسكو ومجمل العواصم الشيوعية الأوربية بأقطار العالم الخارجي، وقد أسهم أيما إسهام في تعديل كثير من الموازين السياسية الدولية، وما زالت النتائج المترتبة عنه، تشكل خطوة مهمة في سبيل ليبرالية الأنظمة الشيوعية السائدة، وتركيز مصالح التفاهم العالمي على أسس أمتن بناء وأوسع أفقا.
وليس من الضروري أن نغزو مثل هذا الاتجاه في النظر إلى مجرد حسن النوايا التي ينطوون عليها، وعميق الإخلاص الذي تكنه صدورهم نحو الدول الأخرى التي تنتمي لعالم الحياد والتخلف، إن الأمر في هذا الباب ليس في الواقع أمر نوايا حسنة، أو مشاعر مخلصة، بقدر ما هو أمر واقعية مستنيرة ومستبصرة أصبحت تساعد كثيرا من الماركسيين المسؤولين على التعرف على منافذ الارتباط بالعالم المحايد، ومنافسة الجهات الدولية الأخرى، التي تسعى شيئا لتحقيق نوع من السبق في هذا المجال، ومن مجاوزة الحقيقة إنكار أهمية النجاحات التي أحرز عليها المعسكر الشيوعي بهذا الشأن، نجاحات لم يكن من نتائجها بالطبع افتضاض حياد الدول الملتزمة لمبدأ الحياد، واقتيادها إلى مجاهل التبعية والمأمورية، ولكن هذه الناجاحات تتمثل أكثر من ذلك ـ في القدرة على مسابقة دول الحلف الأطلسي، وتحديد مدى التأثيرات السياسية والاقتصادية التي ألفت قديما أن تمارسها على حساب بعض الدول الصغيرة هنا وهناك ونجاحات أخرى تتمثل في توسيع نطاق التفاهم العالمي الكبير، وتقريب المجموعات الدولية بعضها من بعض، وتحقيق إنجازات التي تبدو بعض مظاهرها بارزة في عملية السد العالي بمصر مثلا، كما تبدو لها كذلك مظاهر أخرى لا تقل أهمية سواء بالهند أو أفغانستان أو الجمهورية اليمنية أو غير هذه الأقطار كثير.
لكن ما الذي حدث بعد توافر كل هذه الظواهر الإيجابية في أفق العلائق بين العالم الشيوعي وأقطار العالم الثالث؟
إنه لا سبيل إلى الإنكار بأن الكثير من هذه الظواهر ما يزال لحد الآن ماثلا أمام العيان، دالا في نفس الوقت على قوة الاستمرار الذي تتميز به السياسة السوفياتية في كثير من المواطن، ومدى أهمية الأسس المبدئية والتخطيطية التي تنهض عليها بهذا الشأن، فقد استطاعت الديبلوماسية الروسية، أن نضع ـ في عديد من الحالات ـ خطوطا عريضة بين مصالح ارتباطها الدولي بأقطار العالم الثالث، وبين وجود الصلات الروحية والعقائدية بينها وبين الجماعات التي تنتسب للماركسية اللينينية، والتي تنشط داخل بعض هذه الأقطار، وإذا ما وضعنا في الاعتبار، واقع العلائق بين الكريملين والقاهرة منذ سنة 1955 سواء فيما يتصل بالجانب الديبلوماسي الدولي، أو فيما يتعلق بالنواحي الاقتصادية والمالية وغيرها، ثم إذا قارنا كل ذلك بما عليه السياسة المصرية العامة نحو الشيوعيين، ونظرة النظام القائم هناك إلى طبيعة التبعية الماركسية وأنصارها والدعاة إليها، إذا وازنا بين كل هذه الحقائق والأخرى نكون قد أشرفنا على مظهر مهم من مظاهر العلاقات السوفياتية الدولية ونكون كذلك قد ألممنا بجانب أساسي من جوانب السلوك الواقعي الموضوعي الذي تقوم عليه هذه العلاقات، وخاصة مع الدول المتخلفة وغير المنحازة، ومن آخر الظواهر التي يمكن أن تلاحظ في هذا الشأن موقف الجزائر وتونس من نشاط الخلايا الشيوعية فيهما، واتخادهما سلوكا حذرا وصارما في هذا المجال ثم عدم تأثير العلاقات بينهما، وبين الاتحاد السوفياتي نتيجة لذلك ـ على الرغم من بعض الهمسات التي وقع ترديدها أحيانا على هامش هذا الموضوع، وهناك أمثلة أخرى يمكن الاستشهاد بها من هذا القبيل، على أن كل هذا لا يعني بالطبع أن سياسة الدولة الشيوعية الكبرى وخطة (الكومينفورم) على وجه العموم، قد أصبحت قليلة الاكتراث بمصير الحركات الشيوعية العالمية، ضئيلة الحرص على رعاية هذه الحركات ومراقبة تطورها الذاتي، وإشعاعها المذهبي على مختلف الأوجه والمستويات. إن أي انقلاب جذري من هذا النوع لم يحدث حقيقة على صعيد السياسة السوفياتية وسياسة الأقطار الشيوعية الأخرى التي ترتبط بالسوفيات ارتباط العقيدة والاتجاه، غير أن ذلك لم يحل ـ كما أوضحنا ـ بين الكريملين، وبين