تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أسئلة قد يطردها البعض على أنفسهم في العراق، وقد يلقيها آخرون أمام أنظارهم في غير العراق من الأقطار العربية أو غير العربية، أما إذا حاولنا تعليل أحوال وظواهر من هذا القبيل، واستخلاص النتائج المترتبة على ذلك، فإننا سوف لا نجد هذا هذا في مجرد التعريض بالشيوعيين والتشكيك في نواياهم نحو الآخرين من رواد الحركات التقدمية غير الشيوعية، وإنما نجده أوسع من ذلك في التعرف على خصائص المذهبية الماركسية من جهة، ومميزات الفكرة التقدمية العربية من جهة أخرى، ولا شك أن التباين الملحوظ بين الفكرتين في كثير من المعطيات والجوانب والتناقض المبدئي الحاصل بينهما بطبيعة الظروف والأشياء هو ما يمكن أن يفسر ظواهر الانفصام البات بين اتجاهيهما وحدة الاصطدام الذي يقع بين هذين الاتجاهين، على مختلف الأبعاد والمستويات، فالشيوعية الدولية ـ سواء في صورها التعدلية أو الدوكاتية ـ تعد نفسها عقيدة مطلقة لها صفة الكلية والشمول، وهي لا تنحصر (بسبب ذلك) في موضوعات التنظيم الاقتصادي والاجتماعي مما يتصل بحياة الأفراد والجماعات وما يتناول الأوضاع الطبقية والإنتاجية والتوزيعية والاستهلاكية وما هو بسبيل ذلك على وجه أو آخر، بل أنها تتعدى ذلك لتحاول فرض أوجه معينة من النظر في مختلف المناحي الفكرية والعقائدية والسياسية والأخلاقية والذوقية وغير هذا أو ذاك، مما له ارتباط بالحياة الفردية الخاصة، ومظاهر العلاقات الإنسانية بوجه عام، والصلات التعاونية الدولية بصورة أعم؟ أما التقدمية العربية فهي في أساسها ظاهرة عربية، ذات آفاق متفتحة، وتمتد أبعادها على مختلف المناحي من حضارية وسياسية واقتصادية واجتماعية وغير ذلك، وترتبط في نفس الوقت شديد الارتباط بمعطيات تاريخية وأخلاقية وحضارية واسعة، ولها استمدادها الغني من صميم الواقع العربي الإسلامي، ومن جملة الصلاة التي تشد العرب إلى الجماعة الإسلامية العالمية، وإلى القيم والمثاليات التي كانت أساسا لوجود هذه الجماعة ونموها، منذ أن كان لها وجود، إن التقدمية العربية وإن لم تكن لها صفة الكلية والإطلاقية، فإن ارتباطها بالمعطيات الإسلامية المنحدرة من أعماق التاريخ والمتأصلة في صميم الوجدان العربي المعاصر ـ من شأنه أن يضفي عليها صبغة كلية شاملة، ويمنحها إطارها الواسع من حيث الناحية الفكرية والمبدئية، أو باعتبار الجوانب التطبيقية أيضا.

ولا يعني كل هذا، أن محور التناقض بين الفكرة العربية والمذهبية الشيوعية، يرتكز حول قضايا الروح والعقائديات الروحية، وما يترتب عليها، مما هو من هذا القبيل، إنه إذا كان التناقض موجودا بالطبع في مثل هذه الموضوعات فإنه موجود كذلك بصورة أعم في صفة الكلية والشمول التي تنتحلها الفكرة الشيوعية، وتنطلق منها إلى تفسير جميع الظواهر الإنسانية والتاريخية في العالم على أساس مقاييس ومعطيات معينة ثم تحاول إقحام النتائج المنبثقة عن هذه التفسيرات على مختلف الأوضاع والأحوال الموجودة هنا وهناك في مختلف القارات والجزر، وعلى امتداد المسافات والأبعاد واختلاف الظروف والوقائع والاعتبارات والحيثيات وإذ كانت هناك صور عديدة أمكن فيها للقيم والمعطيات الفكرية الشيوعية، أن تغمر حيوية القيم والمثل التي كانت تسود هنا وهناك، في نقط مختلفة من العالم، وتخلفها في مجال التأثير والوحي والتوجيه وعلى صعيد القيادة والتسيير أيضا، فقد يكون ذلك راجعا إلى ضعف هذه القيم وتفاهة المحتوى المبدئي والعملي الذي تعبر عنه، وقد يكون ذلك ناشئا فقط عن توارد ظروف وطوارئ معينة، لم يعد فيها مجال للاختيار الإرادي والمبادرة التلقائية الواعية، وقد يكون غير هذا وذاك، إنما الأساسي في الأمر أن الفكرة العربية بما يتوافر لها من موارد فكرية خصبة، وما يتهيأ لها من إمدادات غنية وافرة، سواء من حيث ارتباطها بمآتي الماضي، أو اتصالها بمعطيات الحاضر، هذه الفكرة ليست في الواقع ذات استعداد لأن تنغمر ـ بدورها ـ تحت تيارية إيديولوجية أخرى، ترد عليها من خارج المجتمع العربي الإسلامي وذلك لسبب بسيط وهو أنها تشكل هي بذاتها قوة فكرية وعقائدية لها استعدادها الوافر لاستيعاب المشاكل الاجتماعية والحضارية والاتجاهية العربية واصطناع حلول إيجابية عربية تمكن في الأساس من مواجهة هذه المشاكل، وتساعد على تجريدها من عناصر السلبية المضرة، وليس مفهوم هذا بالطبع أن الحركة العربية ـ كما قدمنا ـ قد تكون على درجة من روح العزلة والانطواء عن العالم، أو قد تنطوي في معطياتها المبدئية على نوع من (الشوفينية) والذاتية المغالية، إن ذلك لا يمكن أن يفهم ـ بحق ـ من خلال اتجاهات الفكرة العربية، والسبيل الذي ما برحت تفتفيه منذ أن اتخذت صورتها القوية الفعالية طوال السنوات القليلة الماضية، فالفكرة العربية ـ كما نلم به جميعا ـ هي فكرة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٠٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٠٤٧