التصادم الدولي العام، الذي ليس له من حدود، وعلى الرغم من أن قضايا العرب التطورية تقتضي منهم هكذا كل هذا التشديد على المشاكل الخاصة، والدوران حول محورها دورانا دقيقا وملتزما، على الرغم من كل ذلك، فإن هناك مجالات متوافرة تسلكها كثيرة من البلدان العربية نحو المزيد من التعاطي مع الشعوب الأخرى، والتصادي معها، في نطاق الاهتمامات من تعاون شامل أو محدود في بعض الميادين، ومن البديهي أن الفكرة التي تتبناها التقدمية العربية لا تتناقض في جوهرها مع مثل هذا الاتجاه القائم على تركيز التعاون الدولي، والاستفادة من معطيات هذا التعاون وتزداد أهمية ذلك بالنتيجة لتخلف الأقطار العربية البالغ، وتعرض الكيان العربي للتهديد الإسرائيلي المستمر، وعلى أساس هذه الاعتبارات الملحة، كيف يمكن إذن إدراك الاتجاه الذي يحدو البعض إلى إقحام البلاد العربية في خضم الصراع العالمي الكبير، واجترارها بذلك إلى نطاق الحرب الباردة سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة؟
هذه الحقيقة على بساطتها، كانت تستعصي غالبا على أذهان الكثيرين في الغرب، وطوال الخمسة عشرة سنة الماضية، ومن ثم فقد كانت هناك بالفعل كثير من المحاولات التي تكتسي أحيانا صبغة التآمر، تبذل على وجه أو آخر، لاجتذاب بعض الأقطار العربية واستدراجها إلى المشاركة في حلبة الصراع العام الذي لا يفتا أواره مستعرا بين الشرق والغرب، على امتداد الآفاق والأبعاد، غير أن ارتكاز الفكرة العربية بكل ما تحتويه من مفاهيم ومثل ومبادئ، وثباتها أمام التحديات السياسية والنفسانية والفكرية، التي ما انفكت توجه إليها من كثير من أقطار الغرب، كل ذلك قد بدأ يساعد في النهاية على إقناع بعض الجهات الغربية بفاعلية الوجود العربي المعاصر، وضرورة التسليم بكل ما هو ناشئ عن هذه الحقيقة من نتائج دولية محلية وعالمية، بما في ذلك الاقتناع ضمنيا باستقلالية الحركة العربية الحديثة، وامتناعها على إمكانيات التبعية، والتأثيرية البلهاء على اختلاف ما لها من أشكال وصور، وقد مرت خلال السنوات السبع الماضية، تطورات هامة جدا سواء في منطقة الشرق الأوسط العربي، وفي المغرب العربي أيضا، وكان يترآى من خلالها دائما أن جهات دولية أخرى ـ بما فيها العالم الشيوعي وفي المقدمة الاتحاد السوفياتي ـ هذه الجهات ما برحت تبدي قدرا كبيرا من الفهك والإدراك لحقيقة الحركة العربية الحديثة، وتعبر عن واسع الاقتناع بفاعلية هذه الحركة في صميم المنطقة العربية، وأهمية المحتوى المبدئي والواقعي الذي تعبر عنه باستمرار، والواقع أنه ما كان للشيوعيين وخاصة منهم غير الدوكاتيين أن يتمكنوا من تفهم الحركة التقدمية العربية، والتسليم بحتمية استقلالها عن المذاهب التوجيهية الأجنبية، والتعرف على خصائصها التاريخية والنفسانية والأخلاقية والعقلية، لو لم يصلوا إلى (هضم) مبدأ التمييز بين ما هو من قبيل العلاقات الدولية العادية وبين ما هو من صميم القضايا المذهبية والعقائدية الخاصة، بين ماله صلة بمصالح ارتباطهم الديبلوماسي والتعاوني مع الشعوب الأخرى، وبين ما يتصل بقضايا المذهب الذي يحتضنونه ومصلحة انتشاره في العالم الخارجي، وامتداده الذي كان يقدر له في بداية، فكثير من الشيوعيين غير المسؤولين ما يزالون يدينون إلى اليوم بهذا المبدأ الذي يوصف عند أخصامهم من الشيوعيين أيضا بأنه عبارة عن دوكاتية أو مذهبية متحجرة، هذا المبدأ الذي ينص على ضرورة أو على الأقل إمكانية الخلط بين القضايا الإيديولوجية الخاصة، والعلاقات الدولية على صعيدها العام، وهم يرون أنه سيبقى من المتحتم على أية دولة شيوعية (مؤمنة) أن تخضع وجهة ديبلوماسيتها لمصالح العقيدة الماركسية، بحيث يصبح من الضروري على هذا الأساس إيجاد نوع من الصلة بين العلاقات السياسية والاقتصادية مع دول العالم الثالث مثلا، وموقف هذه الدول من الأحزاب الشيوعية الموجودة عندها، وذلك بكل ما يقتضيه الأمر ـ هكذا ـ من توسيع نطاق العلاقات السياسية والاقتصادية وغيرها لصالح الأقطار التي تسلك سبيل التغاضي المطلق عن نشاط الشيوعيين المحليين، وعرقلة هذه العلاقات أو تجريدها أحيانا من محتواها التعاوني الودي، وذلك بالنسبة للبلدان الأخرى التي تتبع سياسة مناقضة لذلك، ومن السمات البارزة في الخلاف الناشئ حاليا بين الدوكاتيين والتعديليين هذه القضية بالذات قضية العلاقات مع دول العالم الثالث التي لا تنتهج سياسة استرضاء الشيوعيين المحليين، وقد كان من أهم الظواهر الدولية الإيجابية التي حصلت خلال سنوات ما بعد الحرب، نجاح القيادة السوفياتية وغيرها من القيادات الشيوعية الأخرى ـ نجاح هذه القيادات جميعها ـ وخاصة بعد وفاة ستالين وابتعاد الستالينيين تدريجيا عن مقاليد الحكم والنفوذ والتوجيه سواء في روسيا أو غيرها من الدول الشيوعية