1) تيار لا شعوري (نفساني) يوغل في الحوار اللاشعور في فوضاه السيكولوجية واضطراب رغباته المكتوبة وهيجان ميوله الغامضة، نشاهد فعل هذا التيار في قصص وروايات روسية كثيرة مثل (النفوس الميتة) لغوغول، و (رسائل من أعماق الأرض)، و (الأخوة كارامازوف) و (الممسوسون) لدستويفكي، ولعل هذا الأخير يعتبر سيد القصة السيكولوجية الذي وجد فيه كثير من الكتاب المعاصرين المثال جيد وكافكا وسارت وبروست وكامو وفولكنر وبرباروس أشكالا جديدة للقصة الحديثة وأسسا للتراجيديا الحديثة كما وجد في حياته وأدبه معا فلاسفة مثل رازانوف وبردييايف وكامو (اسطورة سيزيف) عناصر وجودية صادرة عن التجربة الشخصية الحية التي تنم عن قلق ميتافيزيقي ماثل في الاستفهام عن معنى الحياة والوجود، وأخيرا استقى منه علم النفس المرضي والتحليل النفسي حينما قدم لهما نماذج نفسية غريبة في مواقفها الحيانية أراء ذاتها وإزاء الآخرين.
2) وتيار شعوري ـ أخلاقي يهتم بالسلوك الاجتماعي والديني للشعب الروسي ويدعو إلى مسيحية بسيطة مليئة بالأمل العظيم في مقاومة طغيان المذهب الإلحادي الصاعد من فلسفة نيتشه وشترن وفيورباخ، وتمثل هذا التيار روايات تولستوي ودستويفسكي كما تهدف روايات غوركي إلى التمرد على القيم البورجوازية والفوارق الاجتماعية والدعوة إلى الاهتمام الشديد بالواقعية الاشتراكية وببطلها لانسان البروليتاري.
*********
الروسي الحديث ولم يعد لسؤال بيلنسكي: هل نملك أدبا؟ سوى قيمة تاريخية، فابتداء من سنة 1840 خرجت القصة الروسية الحديثة، وهي ترتدي ثوبا إنسانيا عالميا.
هكذا وجد الشعب الروسي أدبه الخاص بعد معاناة وطول انتظار ... أدبا ممتدة جذوره في أعماق التربة الروسية الأصلية، باسقة فروعه في أفق الإنسانية الرحيب، دانية قطوفه للإنسان في كل مكان وزمان أدباله أبعاد ثلاثة: البساطة في التعبير، والحزن العميق في الانفعالات، والمشاركة الوجدانية الإنسانية في الموضوع، وهي أبعاد يتميز بها الأدب الروسي عن سائر الآداب العالمية إذ تقدم لنا عالما يضج بالعذاب الإنساني وشقاء الحياة اليومية سرعان ما نحس أنه ليس عالم الإنسان الروسي وحسب بل عالم الإنسان المشكل التي تتصارع فيه فوق الخير والشر ويتجاذبه المرح الأكثر صفاء والكآبة الأكثر غرابة.
إنه أدب الأرض القاسية المناخ والشعب المتمرد على الأرض والإنسان البرمثيونسي المستيقظ.
الدار البيضاء: مصطفى الأزموري