تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفن للفن ونادى بالواقعية الاجتماعية والعودة إلى الشعب فكان لندائه تأثير على كتاب روسية الكبار أمثال غوغول وغرغور فيتش، وتورغنيف، ونيكراسوف، ودوسنويفسكي، وتولسنوي وغوركي.

وواضح أن هذه الثورة البناءة في الأدب الروسي سبقتها إرهاصات تاريخية واجتماعية وسياسية فالمجتمع الروسي كان خاضعا لعملية تطور ضخمة للخروج من انعزاله التاريخي نتيجة الحرب الوطنية التي احتدمت بين روسية وفرنسة عام 1812، والتي أثارت في الشعب الروسي اندفاعا متحمسا فجر فيه جميع القوى الحيوية المقومة للأمة والخالقة حسا وطنيا للشعب السلافي .. كما أن انتصار روسية على نابليون وامتيازها الدولي بعد مؤتمر فيينا بجانب الدول الكبرى آنذاك (إنجلترا، فرنسا، النمسا، إسبانيا،) كل هذا ساعد على توكيد مستقبل روسية السياسي والعسكري، كذلك استطاف الساسة الروسيون أن يكتشفوا في باريس البنية السياسية والإدارية والاجتماعية للدولة الحديثة نظريا وعمليا بفضل معطيات مبادئ الثورة الفرنسية حتى إذا عادوا إلى وطنهم شرعوا يفسرون أفكار ثورة 1789 وينشرونها في حذر شديد خشية الرقابة القيصرية التي أخضعت تدريس المسائل الفكرية لتوجيه اللاهوتيين الأرتودكس ومع ذلك فقد تكونت حلقات من محبي الفلسفة تناقش فكرة العالمية والسلام الدائم الداعية إليها فلسفة كانت، وفكرة الوطنية المنبثقة من روح خطابات ليخنه وشعر شللر ونظريات الاقتصاد الحر بتعبير آدم سميت والأفكار الاشتراكية الصادرة عن سان سيمون وفوري، وفلسفة هيغل التاريخية التي ساعدت إلى أقصى حد على دفع الشباب الروسي المتحمس إلى البحث عن معنى مطلق للتاريخ الروسي قائم على مفهوم القومية ومصيرها التاريخي حتى لا يبقى هذا التاريخ تاريخيا ميتا تتسرب في قاعه حوادث مقصوصة وملصقة لا معنى لها ولا هدف.

وسط هذه الكثرة من المبادئ والقيم الجديدة الوافدة من أوربة إلى روسية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة *** أفكار تحررية تريد أن تجد للإنسان الروسي مكانا ومعنى للحياة في مجتمع مغلق ممزق موضوع وضعا سيئا وتنقذه بالتالي من عدم رضاه بالواقع الأسود.

بيد أن سؤالا خطيرا برز: هل يجب على روسية أن تقيم وجودها بالأخذ الموصول من معطيات الحضارة الغربية، أم يجب أن تكتفي بذاتها وتبحث عن مثلها الأعلى في وجودها قومي له خصائصه وظروفه وشروطه؟

على هذا السؤال انبثقت اتجاهات عظيمة تشابكت وتعقدت في الفكر الروسي وأهمها:

1) اتجاه غربي يحاول أن يقوي الاتصال بين روسية وأوربة أن على الصعيد الديني أو على الصعيد الاجتماعي والسياسي. وأصحاب هذا الاتجاه يرون أن على الأدب الروسي أن ينشر الأفكار العظيمة الآتية من الغرب ثم يسقط الضوء النقدي والتحليلي على المساوئ التي تذيع الفوضى والاضطراب في الواقع الروسي.

2) اتجاه سلافي يدعو إلى المحافظة على روح القومية السلافية بمقاومة كل تأثير دخيل يتسرب إلى روسية (المقدسة)، وإثارة الحس الوطني في نفوس الشباب المنتشبين بانتصارهم على نابليون والباحثين عن مثل أعلى قومي قائم على اتباع التعاليم الأرتوذوكسية وتأييد الحكم المطلق القيصري والتشبع بالروح الوطنية الأصلية.

3) اتجاه شعبي اشتراكي يدعو إلى الرجوع إلى الشعب والتقرب إليه للقضاء على بؤسه وجهله وتحريره من جبروت الحكم المطلق واستبداد الإقطاع وتحطيم الأوضاع الفاسدة بالقوة .. (بحر من الدم والنار يطغى على موسكو حتى يتألق نجم الثورة الذي يقود الإنسانية المتحررة) كما أعلن باكونين ولخانوف وبعدهما لينين.

4) اتجاه ديني صادر عن حياة الشعب الروسي الدينية المليئة بالمحبة المسيحية والإيمان القلبي البسيط الهادئ، ويمثل هذا الاتجاه فلاد مير سولوفييف الذي كان يرى أن الحقيقة الدينية لا يبرهن عليها بالدليل العقلي، وإنما تحضر حضورا وجدانيا عن طريق الإيمان الحدسي، وقد تأثر بهذا المفكر الديني فيما بعد شيستوف وبردييايف في المجال الفلسفي، أما تأثيره على الأدب الروسي فيبدو واضحا في أدب الروسي الحديث في القرن التاسع عشر وميزت منه تيارين كبيرين أسهما إسهاما فاعلا في تحديد خصائصه وضمان بقائه بين الآداب العالمية الأخرى:

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٠٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٠٤٠