تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما للأسماء العديدة التي تتألق في سماء تاريخ الأدب العالمي، وشعوره بالحاجة إلى أدب عالمي آت من احتيازه غريزة الخلق الفني إلى جانب رغباته ودوافعه الجمالية، إلا أنها غزيرة وجدت بالقوة زمنا طويلا وباتت تترقب وجودها بالفعل بظهور عبقرية فذة لها مناخها الذاتي ومزاجها المنفرد القادر على انتشال الإنسان الروسي من تمركزه الذاتي ووضعه العنكبوتي والخروج من أفقه الإقليمي الضيق إلى عالم إنساني رحيب.

ولعل الذي أخر تفتح تلك الغريزة إلى منتصف القرن التاسع عشر هو افتقار الشعب الروسي إلى كثير من الخصائص الأساسية كالوحدة القومية وذكريات التاريخ المجيدة التي تخلق شخصيته التاريخية وتفسح له المجال أمام معطيات المدنية الحديثة .. وهكذا بقيت روسية ـ ضمن ظروفها التاريخية ـ محصورة في مجتمع مغلق تراقب تطور الأمم وتجديد الأفكار بحذر شديد رغم ما أوجده بطرس الأكبر من علاقات التقارب بين روسية وأروبة إذ لم تقدر هذه العلاقات على اكتشاف أصالة الحضارة الروسية وإثارة مقوماتها الإبداعية، فوجدت روسية نفسها في مفترق موقفين اثنين:

موقف قومي يتشبت بذاتية الأدب الروسي في طابعه الشعبي القديم المحافظ، البعيد عن كل تأثير أجنبي يفقده أصالته.

وموقف يدعو إلى اقتفاء أثار الأدباء العالمين والاهتمام بالتيارات الفكرية الحديثة، وبالتالي تمهيد الطريق أمام الأدب الروسي للخروج من عزلته وإغنائه بالجديد الوافد من العالم الغربي من علم وفلسفة وفن إلا أن الموقف الأول بقي متحكما في فعالية الأدب الروسي حتى مطلع القرن التاسع عشر تسنده عوامل ثلاثة هي: المناخ ـ العرق ـ التاريخ.

فالوضع الجغرافي في حتم على روسية أن تخضع لمناخ بارد جدا جعلها ذات طبيعة جغرافية خاصة في تكوينها القاري، فلا هي من أوربة، ولا هي من آسية، وإنما هي من هذه وتلك. في هذا المناخ القاسي عاشت عروق عديدة مهاجرة أبرزها ثلاث مجموعات كبرى هي: القنوا ـ التتار ـ السلاف، ومع مرور الأيام استطاعت المجموعة الأخيرة امتصاص وجود المجموعتين الباقيتين ليتسنى لها بناء الحضارة الروسية الحديثة ببذل كثير من الجهد الدائب والتضحيات الجسام للانعتاق من الكهف (الأفلاطوني).

أما التاريخ الروسي فتتراءى من خلاله فترات حالكة مليئة بالمآسي والحروب والهزات العنيفة الآتية من غزو الثأر ونفوذ الأجانب وسيطرة الإقطاع واستبداد القياصرة وقسر الحياة الاجتماعية، انعكست تلك الفترات على الحياة اليومية للإنسان الروسي وطبعته بطابع الحزن والتعاسة يتجلى هذا الطابع أكثر ما يتجلى في الأدب الروسي شعره ونثره حتى لقد عبر عنه الكاتب الروسي هيرزن (1812/ 1870) بقوله: إن الحزن والريبية والسخرية هي روابط الأدب الروسي، وما ضحكنا سوى سخرية مرضية.

هذه هي العوامل الثلاثة (الجغرافي والإتنولوجي والتاريخي) التي أسهمت إلى حد بعيد في تجديد إطار الأدب الروسي وأثرت فيه تأثيرا فاعلا، ولكنها بدء من القرن الثامن عشر اصطدمت بتحديات معاكسة من كتاب مثل سوماركوف وراديستشيف وغيرهما ممن اعتقدوا بأن العبقرية والذوق الفني موجودان في كل بلد خارج أي اعتبار جغرافي أو عرفي أو تاريخي، فكان من الضروري أن ينتقل الأدب الروسي من الواقعية الساذجة إلى الواقعية الاجتماعية، ومن الأدب الشعبي المطبوع بطابع ديني وخرافي معا إلى الأدب العالمي الإنساني وإن بدا في نهاية التحليل أن هذا الانتقال غير نهائي إذ أن الشعب الروسي يميل بطبعه إلى البحث عن فرحه العظيم في أدبه الشعبي المليء بذكريات الماضي البطولية وأعمال القديسين الروحية وأغاني الشعب النابعة من شعوره الوطني.

روافد الأدب الروسي الحديث:

ابتداء من القرن التاسع عشر أخذت الحياة الفكرية والأدبية في روسية تشق طريقها للظهور بتأثير عوامل سياسية واجتماعية كما أخذ الأدب الروسي يتخلص من سيطرة النخبة المثقفة التي كانت تحتكره وتستغله لتصريف ميولها وعواطفها بعيدا عن الاتصال بالواقع الاجتماعي الروسي، فمنذ أوائل القرن التاسع عشر حدث انقلاب أدبي بقيادة كارامزين خالق اللغة الأدبية الحديثة في روسية، وكرلوف لا فونتين روسية، وبوشكين شاعرها الأكبر وليرمنتوف بيرونها المتمرد وبيلنسكي ناقدها الذي هاجم بعنف وإصرار نظرية

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٠٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٠٣٩