تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.6، ع7 /أبريل 1963 .................... ص 44

مولد الأدب الروسي

للأستاذ: مصطفى الأزموري العمري

البحث عن أدب:

في عام 1834 لأثر الناقد الروسي الكبير بيلنسكي Belinski قضية الوجود الأدبي في روسية يطرح هذا السؤال الجدي: هل نملك أدبا؟ وبنفي قاطع أجاب: لا، ليس لدينا إلا تجارة كتب، والواقع أن نقذ بلينسكي يتضمن حكمين اثنين:

حكم تاريخي يشير ضمنا إلى العزلة التي عاشها الشعب الروسي زمنا طويلا مكتفيا بأدب هزيل يجتره ويكرر فيه نفسه محجما في فترات لقائه بالشعوب الأخرى عن التأثر بمعطياتها الحضارية والتأثير فيها للإسهام في صنع تاريخ الأدب العالمي، لا ينجب دبه (فذاذا مثل دانتي وشكسبير وراسين وموليير وسرفانتيس وغيرهم من ذوي الصيت الغني العريض.

وحكم فني يبين ما كان عليه الأدب الروسي في مطلع القرن التاسع عشر من الضعف والتفاهة والسلبية التي سدت منابع عبقريته وجففت روافد حيويته وسفلت به إلى مستوى الدعاوة والابتذال حتى غدا الكتاب الروسييون ـ بتعبير بيلنسكي ـ منتشرين انتشار نبات الفطر.

وبوسعنا أن نبين نمطين التقيا في الأدب الروسي في أوائل القرن التاسع عشر:

1) نمط يمثل الواقعية البسيطة التي يمتاز بها الشعب الروسي كمقوم من مقومات وجوده المبني على الإحساس بالواقع الحياتي، بيد أن الأدباء الروسيين في ذلك الوقت لم يستطيعوا تجاوز بساطة تلك الواقعية البسيطة التي يمتاز بها الشعب الروسي كمقوم من مقومات وجوده المبني على الإحساس بالواقع الحياتي، بيد أن الأدباء الروسيين في ذلك الوقت لم يستطيعوا تجاوز بساطة تلك الواقعية إلى التوغل في تعقدها ومعاناة اشتدادها وتوترها بالنفاذ إلى أعماق الواقع الروسي الحركي المضطرب بشتى المواقف والأفعال والحركات ليتعاطفوا معها وينفعلوا بها، بل اقتصروا فقط على التقاط سطح تلك الواقعية الساكن البارد ووصف مظاهره وصفا خارجيا حياديا.

2) ونمط إبداعي متأثر بإبداعية غوته وشللر وشاتو بريان ولامارتين وغيرهم، مستجيب لدعوة (الفن للفن) التي كانت تتزعمها المدرسة الإبداعية الفرنسية، غير أن الإبداعية الروسية كانت تحاول على ما يبدو أن تسمو بالميول الشخصية إلى مستوى المشاعر القومية والأنسانية، بينما كانت الإبداعية الفرنسية تريد أن تتمرد على العقل (البارد الجاف) لإنقاذ العاطفة (الحارة الجياشة) وتحرير الإنسان الطبيعي .. إنسان روسو من طغيان إنسانية الثورة الفرنسية التي أذابت أحلام (المنتزه الوحيد) في مبادئها المشهورة

من هنا نعلم أن نقد بيلنسكي على عنقه يبدو صحيحا إلى حد بعيد آنذاك سيما وأن الأدب الروسي بالمعنى الحديث لم ينهض على أسس ثابتة إلا في القرن الثامن عشر أثناء عهد بطرس الأكبر، ولم يتخذ صفته العالمية إلا في منتصف القرن التاسع عشر حينما أصبح بحق حادثا من أعظم حوادث ذلك القرن.

ومن البين أن الشعب الروسي كان يشعر بحاجة ملحة إلى خلق أدب رفيع يزاحم الآداب الأخرى في رحابة أفقها واتساع مدارها وتنوع أفكارها وغنى قيمها الفنية، ويكون لأسماء رواده من ذيوع الصيت

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٠٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٠٣٨