وكان الأخطل على عادة أهل الشام النصارى يظهر بحضرة الخليفة وفي عنقه صليب كبير على مرأى من وجهاء الدين الإسلامي. ولو أن شاعرا دخل على الخليفة العباسي على هذه الشاكلة لما سلمت عنقه.
ومن مظاهر الحرية التي كانت لنصارى الملك الأموي أن يخرج المقاتلون إلى الحرب برايات عليها صور وشارات مسيحية دون أن يلقوا عن ذلك منعا أو استنكارا.
قال في الديوان (309) في حرب قيس وتغلب:
لما رأونا والصليب طالعا ***
ومار سر جيس وسما ناقعا
وأبصروا راياتنا لوامعا ***
كالطير إذ تستورد الشرائعا
ويدهشك هذا التسامح لأول وهلة إذا ما قسته مثلا بالحالة في العصر العباسي المتمدن والأكثر رقيا من العصر الأموي. ولكن الأمر ينجلي لك إذا علمت أن الأمويين حكموا بنفسية الأسياد والزعامة الجاهلية. فكانت لهم عصبية عربية تقرب العرب، وتكرمهم مسلمين كانوا أم نصارى، بخلاف العباسيين الذين أحلوا العصبية الدينية محلا دونه العصبية العربية الحقة.
ثم إن العصبية العربية كانت قوية لاستمرار العقلية العربية الجاهلية والتقاليد القديمة. فالمجتمع الأموي مجتمع بدوي متطور حافظ على خصائص البداوة محافظة كبيرة والشاهد على ذلك دلالة الشعر عامة وشعر الأخطل خاصة كما رأينا. فأبواب الشعر مثلا لم تتبدل تبدلا يذكر في شعر البلاطن بصرف النظر عن بعض الفنون التي نشأت في الحجاز وبعيدا عن الحكم الرسمي. فترى الأخطل يمدح الأمويين كما كان شعراء الجاهلية يمدحون أسياد القبائل، فيصفهم بالكرم وسعة الدار قال في الديوان (34):
أخالد إياكم يرى الضيف أهله ***
إذا هرت الضيفان كل ضجور
يرون قرى سهلا ودارا رحيبه ***
ومنطلقا في وجه غير بسور
ويمدحهم بكثرة العدد: (ديوان ص 189):
الأكثرين حصى والأطيبين ثرى ***
والأحمد بن قرى في شدة اللزب
ويتبع في هجائه المعاني الجاهلية من تفضيل قبيلة على أخرى تشدهما روابط القرابة والدم. ففي هجائه لجرير وقومه ينفر عليهم أبناء عمهم من دارم، وامض الهجاء عند العرب أن تفضل قوما على أقاربهم، قال في الديوان (109 ـ 111)
ملطمون باعقار الحياض فما ***
ينفك من دارمي فيهم أثر
إلا كلون خبيث الزاد وحدهم ***
والسائلون بظهر الغيب ما الخير
وفي البيت الثاني ينفي عنهم صفة السيادة حيث يصرح بأنهم لا يشاركون في الأمور المهمة.
وزبدة القول أن الأخطل دعم سياسة الأمويين لأنها التقت ومصلحة قبيلته، فلا يعد من شعراء السياسة العقائديين الذين يناضلون من أجل فكرة أو عقيدة ينذرون لها حياتهم.