تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحادثة الأخطل مع زفر بن الحارث تمثيل حي لما نقول. جاء في الديوان في الصفحة السبعين والثلاثمائة نقلا عن الأغاني (لما استنزل عبد الملك زفر بن الحارث من قرقيشياء أقعد معه على سريره فدخل عليه ابن ذي الكلاع فلما نظر إليه مع عبد الملك على السرير بكى فقال له ما يبكيك؟ فقال يا أمير المؤمنين ... وكيف لا أبكي وسيف هذا يقطر من دماء قومي في طاعتهم لك وخلافه عليك؟ ثم هو معك على السرير وأنا على الأرض. قال أني أجلسه معي أن يكون أكرم على منك. ولكن لسانه لساني وحديثه يعجبني ... فبلغت الأخطل وهو يشرب فقال أما والله لا قومن في ذلك مقاما لم يقمه ابن ذي الكلاع. ثم خرج ودخل على عبد الملك فلما ملأ عينه منه قال:

وكأس مثل عين الديك صرف *** تنسي الشاربين لها العقولا

إذا شرب الفتى منها ثلاثا*** بغير الماء حاول أن يطولا

مشى قرشية لا شك فيها*** وأرخى من مآزره الفضولا

فقال له عبد الملك ما أخرج هذا منك يا أبا مالك الأخطة عدو الله على السرير وهو القائل بالأمس:

وقد بنيت المرعى على دمن الثرى*** وتبقى حزازات الصدور كما هيا

قال فقبض عبد الملك رجله ثم ضرب بها صدر زفر فقلبه عن السرير وقال أذهب الله حزازات تلك الصدور فقال أنشدك الله يا أمير المؤمنين، والعهد الذي أعطيتني. فكان زفر ما أيقنت بالموت قط إلا تلك الساعة حين قال الأخطل ما قال»

منزلة الشعر

ومنزلة الشاعر لدى الخليفة الأموي تتجلى في تصرفاته وسلوكه وجراءته في بعض المواقف. فكثيرا ما كان يدخل على الخليفة دون استئذان كأقرب الناس إليه، ولحيته تنفض خمرا. وغني عن القول أن موقفا كهذا الموقف المشكك هو خروج على تعاليم الإسلام وهيبة الخلافة، بل هو كفر مبين يستحق الشاعر بسببه معاتبة السيف. لكن الخليفة يصفح عنه لمكانة الشعر من نفسه العربية. وهذا مع ما روينا من تهديد الشاعر قدر كاف للدلالة على تسامح الأمويين والطابع العربي الصريح الذي طبع به ملكهم.

وهناك حادثة أخرى من هذا النوع روي أن الأخطل دخل يوما على عبد الملك فاستنشده فقال: يبس حلقي فمر من يسقيني. فقال أسقوه ماء، فقال: هو شراب الحمار وهو عندنا كثير، قال فأسقوه لبنا، قال: عن اللبن قد فطمت. قال، فأسقوه عسلا. قال: شراب المريض. قال: فتريد ماذا؟ قال خمرا يا أمير المؤمنين. قال: أعهدتني أسقي الخمر لا أم لك؟ لولا حرمتك بنا لفعلت، وفعلت. فخرج فلقي فراشا لعبد الملك، فقال ويلك إن أمير المؤمنين استنشدني وقد ضحل صوتي فأسقني شربة خمر، فسقاه رطلا، فقال أعدله بآخر فسقاه رطلا آخر، فقال تركتهما يعتركان في بطني فأسقني ثالثا، فقال تركتني أمشي على واحدة أعدل ميلي برابع، فسقاه رابعا، فدخل على عبد الملك فأنشده رائيته الشهيرة:

«خف القطين»

فانظر إلى التسامح الذي شهر به الأمويون ... الخمر التي حرمها الكتاب المنزل يطلبها شاعر نصراني من حامي الكتاب المنزل. ولا يقف الأخطل عند هذا الحد بل يتعداه إلى وصف الخمرة والنديم في مدحه للأمويين. ولا تتعجبن من هذه الجرأة: إن من البيان لسحرا.

وتبلغ به القحة أن يرفض الدخول في الإسلام حين عرض ذلك عليه عبد الملك وأغراه بالعطاء الكثير، ويخاطب عبد الملك قائلا:

ولست بصائم رمضان يوما*** ولست بآكل لحم الأضاحي

ولست بزاجر عنا بكورا*** إلى بطحاء مكة للنجاح

ولست بقائم كالعير أدعو*** قبيل الصبح حي على الفلاح

ولكني سأشربها شمولا*** وأسجد عند منبلج الصباح

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٠٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٠٣٦