تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يعرفونك رأس ابن الحباب وفد *** أضحى وللسيف في خيشومة أثر

والحارث ابن أبي عوف لعبن به *** حتى تعاوره العقبان والسبر

وقيش عيلان حتى أقبلوا رقصا *** فبايعوك جهارا بعد ما كفروا

فلا هدى الله فيسا من ضلالتهم *** ولا لعي لبني ذكوان إذ عثروا

ضجوا من الحرب إذ عضت من أخلاقهم الضجر

وينتقل بعد ذلك إلى هجاء كليب فيقول، ديوان ص109)

أما كليب بن بربوع فليس لهم *** عند التفارط إيراد ولا صدر

مخلفون ويقضي الناس أمرهم *** وهم بغيب وفي عمياء ما شعروا

المجتمع الأموي البدوي:

والناظر إلى الأبيات التي أوردناها يستنتج منها فوائد تاريخية واجتماعية كثيرة. فعند ما يقول الأخطل إنه ناضل دون الأمويين أبناء قوم هم آووا وهم نصروا فإنه يعني بذلك خطر المسؤولية إذ ليس من السهل أن يهجو شاعر قوما آووا النبي، وكانوا سندا لاستمرار رسالته لما كان لهؤلاء من حرمة في نفوس المسلمين حتى ذلك الوقت. كما نتبين كذلك سياسة الحلم التي سلكها الأمويون في مسايرة أعدائهم والعنف الذي استخدموه لإقرار ملكهم .. لأن الأخطل ي*** أن قيس عيلان تلكات في المبايعة ولما أرغمت بايعوا جهارا بعد ما كفروا. إذن فعدم المبايعة في نظره كفر لأنه خروج على طاعة أولي الأمر؟

ثم يأخذ في موضع آخر في تنفير الخليفة من مصالحة قيس لتبقى مكانة قبيلته عالية ويصون مصالح قومه (133).

وأنت أمير المؤمنين وما بنا *** إلى صلح قيس يا ابن مروان من فقر

فإن تك قيس يا ابن مروان بايعت *** فقد وهلت قيس إليك من العذر

على غير إسلام ولا عن بصيرة *** ولكنهم سيقوا إليك على صغر

وعندما ينتقل إلى ذكر الأيام التي دارت رحى الحرب فيها بين تغلب وقيس فيذكر يوم الترثار ويوم ماكسين ويوم الحشاك فيعير القيسيين بالهزيمة ويفخر ببطش قومه .. وهكذا ترى أنه في جميع مدائحه للأمويين / لعيب عنه مصالح قبيلته كأني به يتخذ مدحه للأمويين مطبة لحفظه كيان عشيرته وهذا غرضه البعيد .. فالشعر السياسي العقائدي كما نفهمه لم يتجل في إنتاج الأخطل وإنما كان متصلا بسياسة القبيلة فخلط بين السياسة الرسمية والسياسية النفعية. فها شاعر قبلي أكثر منه شاعرا عقائديا.

ولك دليل على ذلك في لجوئه إلى تهديد الأمويين عندما يقربون قيس عيلان. قال عندما تخلى عبد الملك عن حمايته:

فإن لا تغيرها قريش بملكها *** يكن عن قريش مستماز ومزحل

وهو ـ كما جاء في دائرة المعارف الإسلامية ـ بيت ثوري لا يدانيه إلا البيت الذي أعلن فيه الأخطل أن عبد الله بن سعيد بن العاض التغلبي الخامل الذكر أهل للإمارة وكان هذا أخا لرجل حاول خلع الخليفة عبد الملك ..

وهذه الظاهرة تنهض دليلا على مكانة الشعر والشعراء في ذلك العصر كما تفيد أن المجتمع الأموي مجتمع جاهلي متطور لا يزال الخليفة فيه قريبا في تفكيره من الذهنية البدوية يخاطبه الشعراء بحرية ويتقبل التهديد أحيانا كما مر بنا .. وبذلك على منزلة الشعر في قصور الخلفاء وبين القبائل حادثة الأخطل مع الأنصار حين هجاهم بإيعاز من يزيد بن معاوية فقاموا وقعدوا .. وكان ما كان من أمر النعمان بن بشير في تهديده لمعاوية .. واصطناع الأمويين لشعراء يؤيدون سياستهم ويهجون خصومهم بينة على استمرار العقلية الجاهلية المعتدة بالمفاخرات والمنافرات .. «والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر» على حد قول الأخطل.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٠٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٠٣٥