هم الذين أجاب الله دعوتهم *** لما تلاقت نواصي الخيل فاجتلدوا
وقال التغلبي في موضع آخر يمدح عبد الملك بن مروان في رائيته الشهيرو (ديوان ص 103)
أعطاهم الله جدا ينصرون به*** لا جد إلا صغير بعد محتقر
لم يأشروا فيه إذ كانوا مواليه*** ولو يكون لقوم غيرهم أشروا
ولا يخفى ما لهذا القول من تأثير في الرأي العام إذ ينفي عن الأمويين فكرة الاغتصاب التي يروجها الشيعة والخوارج والزبيريون وغيرهم. فبعد أن تدخل الله ـ عز وجل ـ في الأمر يكون التذمر أو الثورة اعتراضا على إرادته تعالى. ومن شأن هذه الأدلة أن تظهر خلافة الأمويين بمظهر شرعي وتطفئ إلى حد نيران الثورات والانتفاضات على الحكم القائم. ونظرية الجد هذه كانت قد ذوت قرنها في العصر الأموي وسرت عقيدة من عقائد التفكير الإسلامي الجبرية كانت تقول بها. فاستغلها الأمويون لتدعيم شرعية ملكهم إذ أن خلافتهم تبدو بحسب هذا الرأي مرسومة مقدما ومقدرة من الله. وما يساعد على تصديق هذا الزعم ما جاء في القرآن الكريم «قل اللهم ما لك الملك تؤتي الملك من تشاء بيدك الخير أنك على كل شيء قدير (آل عمران 26).
الحق الإلهي
ولما كانت إرادة الله هي التي اختارت الأمويين خلفا فقد أصبح هؤلاء منفذين لإرادته تعالى يخلفونه في الأرض في تنظيم أمور عباده. فالخلافة بالتالي حق إلهي تناهى إليهم وهذا معنى قول الأخطل «خليفة الله يستسقى به المطر» .. وقد ذهب المفسرون في شرح هذه العبارة بعد رواجها مذهبا ءاخر فالتمسوا لها مبررا في القرءان وجاؤوا بئايات وردت فيها لفظة خليفة من مثل الآية 165 من سورة الأنعام «وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات» وهذه وأمثالهم آيات عامة تدل على الشرف الذي الذي أعطاه الله للآدميين إجمالا دون أي تخصيص ..
ولكن يتضح لنا أمر هذه العبارة ينبغي أن نعود بأذهاننا إلى عصر الخلفاء الراشدين. فقد كان المؤمنون يطلقون على أبي بكر لقب خليفة رسول الله وقد رعاه أحدهم «خليفة الله» فنهاه أبو بكر عن ذلك قائلا «لست خليفة الله ولكن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم».
وقد وردت هذه العبارة بعد ذلك على ما نعلم في شعر حسان بن ثابت الأنصاري كما مر معنا في قوله: لعلكم أن تروا يوما بمغبطة*** خليفة الله فيكم كالذي كانا
وعندي أن هذه العبارة تتضمن من المعاني في قول الأخطل أكثر مما تضمنته قبل ذلك. وبيان الأمر أنها كما قلنا ـ تعني استمرار إرادة الله في يخلقه عن طريق الخليفة المالك.
فهي مبدئيا تنافي مبدأ الشورى الذي كان معمولا به أيام الخلفاء الراشدين لأن الشورى تعني مبايعة البشر واختيارهم. وخليفة الله ـ وهي تلميح صريح إلى الحق الإلهي ـ تناقض مبدأ الشورى وتعني اختيار الله لا مبايعة البشر. وبذلك تصبح الخلافة مقدسة لا اعتراض عليها. وتستمر هذه الفكرة من ثم فنسمع المنصور في العصر العباسي يردد «أنا سلطان الله على الأرض» .. وتتجلى تلكن القدسية كذلك في العبارة الثانية من قول الأخطل وهي «يستسقى به المطر» وقد أوردها الأخطل في مدحه الوليد (ديوان ص 185).
خليفة الله يستسقي بسنته *** الغيث من عند مولى العلم منتخب
فقد أصبح للخليفة بذلك هالة من القداسو. فالله يستجيب دعوته وقد قرن عمله بعمل الأنبياء والمرسلين كأنه موسى الكليم في الآية القرءانية «وإذا استسقى موسى لقومه فقلنا أضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا (سورة البقرة الآية ستون).
ولما كان الخليفة ممثلا لإرادته تعالى فيستجيب دعاءه للاستسقاء مثلا فإنه عز وجل يستجيب دعوته في سائر الأمور باعتباره قواما على شؤون دين الله