وكان هذا من حمل لواء أصحاب التيار التجديدي بقسمية: المتطرف والمعتدل، وفي نفس الوقت زادت قوة التيار المحافظ وتطور وكسب كثيرا من المثقفين وواجه المعركة في قوة وحمل لواء الدفاع عن اللغة العربية ووحدة العالم العربي والإسلامي.
ولم يلبث أصحاب هذا التيار أن عدلوا طريقهم فاقتربوا قليلا من المجددين، تغير أسلوبهم، وحمل لواء الدعوة إلى «البناء على أساس» وبعث القديم في أساليب حديثة والنقل من الغرب فيما يزيد شخصيتنا قوة، واضطر كثيرون من معتدلي المجددين إلى الانتقال إلى صف هذا التيار بعد أن كشفت أحداث ما بعد الحرب عن خيبة أمل في الحضارة وحماتها نتيجة لمواقفهم المهينة بالنسبة لحرية الشعوب ولتداعي نظرياتهم وأرائهم، وبعد أن تكشف أن هذه الدعوات إنما هي دعوات استعمارية اتخذت العلم ستارا لها، ولم تكن هي من العلم في شيء، وأن علماء منصفين من الغرب نفسه قاموا يدحضون هذه النظريات ويقولون بتعصب أصحابها، واضطر المجددون أن يخففوا من غلوائهم عند ما شاهدوا قادة منصفين من رجال الفكر الغربي ينصفون العرب ويذكرون فضلهم على الحضارة الأدبية ويكشفون عن الدور الكبير الذي قاموا به في سبيل الحضارة والثقافة، بعد أن نقلوا تراث اليونان والرومان العلمي وزادوا فيه وأضافوا إليه وبذلك حملوا ميراث الحضارة في فترة القرون الوسطى التي أظلم فيها الغرب، ولم يكن هؤلاء الكتاب قلة، ولم يكونوا من مجهولي الاسم أو الأثر بل كانوا أعلاما بارزين، وهناك تحول بعض كتاب التجديد المتطرفين عن موقفهم، وبني آخرون يصرون على الخطأ، وكانت لهم مواقف ـ بعد توقيع المعاهدات التي عقدت في بعض البلاد العربية مع إعلان الاستقلال الذاتي في ظل وجود جيش الاحتلال ونفوذ المعتمد البريطاني والفرنسي ـ فيها إمعان في التعصب للحضارة الغربية وإنكار للقومية العربية. ومع إصرار عدد من كتابنا على الوقوف موقف التطرف والانحراف في الدعوة إلى التراث العربي والتهوين من مكانة اللغة العربية، وقد كان لهؤلاء صلة ببعض دوائر المستشرقين الذين كان الاستعمار يتخذهم أداة له في تحريف مفاهيم الثقافة العربية ومعالمها.
ومع هذا فإن كفة «المدرسة الوسطى» التي حملت لواء الجمع بين الشرق والغرب والقديم والجديد (على هدى وبصيرة) قد رجحت وظهرت صحف في العالم العربي تعد علما على هذه المرحلة، وقد زاد من قوة هذا الجناح الأوسط أن عددا من كتابنا في مصر قد طافوا بالعالم العربي وعادوا وقد تحول اتجاههم فأنكروا القومية الضيقة وآمنوا بالوحدة الكبرى ومضت أقلامهم تدافع عن القيم العربية.
وكان لدعوة التبشير التي اندلعت في هذه الفترة أثرها في نفوس بعض الكتاب، فقد اندفعوا إلى التماس تحرر الفكر العربي بالرجوع إلى التراث الإسلامي وأمجاد التاريخ العربي.
* * *
وقبيل الحرب العالمية الثانية برز عدد من الكتاب والكاتبات حملة الوية المدارس المختلفة، المحافظة والمجددة، واتسمت هذه الفترة ببروز عدد كبير من الكاتبات، كما تعمقت خلال هذه الفترة المذاهب والأبحاث والدراسات حتى ليمكن القول أن كتاب هذه الفترة هم امتداد للفترة السابقة، وإن لم يتألقوا تألق السابقين ولم يهزوا الحياة الفكرية بأحداث وثورات ومعارك قوية الدلالة.
وتعطي هذه الصورة التقارب بين المذاهب المختلفة، والتقاء المحافظة بالتجديد، فإن أغلب كتاب التجديد قد اتجهوا إلى إحياء التراث وأخذوا يبعثون القديم في صور جديدة، في حين جدد الكتاب المحافظون أسلوبهم واندفعوا إلى شيء من التطور، غير أن أوضح ما في هذه الفترة هو اختفاء الأسلوب التقليدي الذي عرف في كتابات البكري والمويلحي وشكيب أرسلان وخلفه أسلوب إنشائي نقي، وأسلوب أقرب إلى العلمية، ومعنى هذا أن الأسلوب العربي قد بلغ في هذه المرحلة درجة من الجودة والنقاء وحسن الأداء وزادت إمكانية كتاب (تأديب التاريخ) والكشف عن معاليم ثقافتنا العربية مع اصطناع الأسلوب العلمي الحديث.
وهكذا بدأت تتركز قواعد (المدرسة الوسطى، على نحو غير منحرف ولا منحاز يخرج بين القديم والجديد والشرق والغرب وفي هذه المرحلة ظهرت مجلات متخصصة للشعر والقصة، واتسعت آفاق الأدب في الصحف اليومية اتساعا واضحا فكانت لكل جريدة صفحة أدبية كاملة يومية، وكان لوجود الكتاب الذين سبقوا في الميدان أثر واضح في أن كتاب هذه الفترة لم يبرزوا إلى ميدان الصدارة، وقد كان بعضهم تبعا لهؤلاء أو تلاميذ بحكم سيطرة الأولين على الصحف ومراكز الصدارة في الحياة الفكرية والهيئات.
وهكذا تصل إلى الحرب العالمية الكبرى 1929 حيث بدا لون جديد من الأدب وتيارات أخرى لها طابعها الخاص.
القاهرة: أنور الجندي