والوسيلة، وشاركت القرويين والأزهر والزيتونة باخريج طائفة من العلماء ولم تقف عند الفقه بل اتجهت إلى الأدب.
وفي هذه الفترة كانت الكتابة الأدبية هي أقوى ألوان الكتابة، كان الاستعمار قد سيطر على المنطقة كلها أو كاد، وظهرت الصحف تحمل لواء الدعوة الوطنية المندفعة بأسلوب العاطفة والحماسة ثم ظهر تيار يدعو إلى التقارب مع الاحتلال ومصالحته وقبول التعامل معه باسم الدعوة الوطنية الضيقة.
وبدأ الكتاب المجددون في العالم العربي أحد فريقين: فريق يسير في ركاب المحتل ويؤمن بحضارته وأخطاره إيمانا كاملا وفريق مستنير يأخذ من القديم بطرف ومن الجديد بطرف على هدى وبصيرة في سبيل الحفاظ على شخصيتنا العربية الإسلامية.
وظهر في هذه الفترة الدعاة إلى الحماية اللغة، يعملون على تقييمها وترقيتها ودفعها إلى الأمام لمواجهة الحضارة وكلماتها ودفعها لحملات السوء التي بدأ يشنها عليها غربيون ومتغربون، وظهر في هذه الفترة عبد القادر المغربي والستاسن الكرملي وأحمد تيمور ومحمد مسعود وأحمد زكي باشا والألوسي وطاهر الجزائري.
وبدأت كتابة التاريخ القومي على النحو الحديث بكتابات أحمد شفيق، وفي هذه الفترة ظهرت كاتبات عربيات: عملن في الصحافة وكتبن المقالة ونظمن القصيدة أبرزهن: هند نوفل ولبيبة هاشم.
ولم تطل هذه الفترة حيث وقعت الحرب العالمية سنة 1914 وامتدت إلى سنة 1918 ثم اندلعت الثورات في مصر والعراق والشام وفلسطين والمغرب وبدأت بعد الحرب العالمية مرحلة من أضخم مراحل النهضة الفكرية كان قوامها البحث عن أساس لحياة فكرية وأدبية واجتماعية جديدة وقد امتد فيها الصراع بين المحافظة والتجديد على نحو أشد قوة وعنفا.
* * *
تتسم الفترة التي تلي الحرب العالمية الأولى بعمقها واتساعها وضخامتها وغزارة محصولها وكتابها لقد كان طبيعيا أن تظهر بعد الحرب العالمية الأولى نتائج واضحة الحركات ودعوات الحرية والاستقلال التي سبقت الحرب، وزاد من دقة الموقف أن الدول المحاربة اقتسمت العالم العربي فيما بينها واحتلت الأجزاء الباقية منه وخاصة الشام والعراق بعد أن فرقته إلى أقطار، وبعد أن ذاقت الأمة العربية خلال الحرب ويلات ضخمة نتيجة لسيطرة الغزاة على أرضها واستغلال خيراتها، مع الوعود التي أعطيت بالحرية والاستقلال، ولم تلبث أن تحولت إلى احتلال وانتداب ووصاية وكلها لا تعني غير الاستعمار مختفيا وراء أسماء تخفف من وقعه، وفي خلال فترة ما قبل الحرب كانت ليبيا والمغرب قد وقعت تحت قبضة الاستعمار.
وقد اندلعت على أثر انتهاء الحرب الثورات المتوالية واضطرت الدول المحتلة أن تعطي لهذه الأقطار استقلال ذاتيا ودستوريا وبرلمانا وأحزابا متضاربة، هنالك، بدأت حركة جديدة من حركات التطور الفكري والثقافي، فإن الأقلام التي كانت قبل الحرب العالمية تقاوم الاستعمار وتدعو إلى الحرية والاستقلال والجلاء وتهاجم الاستبداد الممثل في السلطان والخديو والأمير قد تحولت إلى صراع داخلي بين الأحزاب المختلفة منصبا في الأغلب على سلطة الحكم، وقد لون هذا الصراع الحزبي: الأدب في جميع أقطار العالم العربي، فكانت قضاياه في الأغلب جزءا من السياسة أو مشابهة لها في أسلوب العرض ووجهات النظر، وكأنما أحس الاستعمار بأن سلطانه القائم على الاحتلال العسكري، أو السيطرة على الحكام ليس كافيا في نظره للبقاء الطويل لذلك اتجه إلى السيطرة على الفكر العربي والأدب والثقافة واللغة والمقدرات والتراث والدين، وحاول أن ينتسيء صراعا ومغالطة وإقليمية في هذه القوى جميعها، وذلك حتى يتبلبل الرأي الواحد وتتحول الفوارق المصطنعة التي أقامها إلى فواصل حقيقية فقام من يدعو إلى الثقافات المحلية وإلى تحويل اللغة العربية إلى لغات محلية بتقوية اللهجات والكتابة بها وإيثارها على اللغة الفصحى الأم متخذا من موت (اللاتينية) وتفرعها إلى لغات فرنسية وإنجليزية وإيطالية وغيرها مثلا يضرب أو هدفا يحتذي واتسع نطاق الدعوة إلى فرنسة وجلترة اللغة والفكر، وامتد هذا الاتجاه إلى مقاومة القومية العربية بالذات بالدعوة إلى إحياء التراث الأقدم وقامت إذ ذاك دعوات الفرعونية والفنية والبابلية والأشورية والبربرية، وظهرت أبحاث ودراسات تحاول أن تجعل لهذه، الدعوات أدبا وثقافة، وتجري لربط هذا للماضي البعيد بالحاضر القائم، ثم ظهرت دعوات إلى حضارة البحر الأبيض المتوسط وإلى تغليب اليونانية على العقل العربي وإلى التحرر من الطربوش والعمامة إلى القبعة، وإلى دعوات متعددة في ومجالات الثقافة والفكر والاجتماع كلها تهدف إلى غرض واحد، هو التشكيك في ماضي الأمة العربية وتحويل الفوارق المصطنعة إلى فوارق طبيعية، وإثارة لنزعات القديمة التي انمحت بعد أن أصبحت الرقعة وطنا عربيا موحدا.