حياتنا الأدبية، إذ يجمع في دقة وقوة بين اللونين اللذين ظلا يؤثران في حياتنا الفكرية ويمزج بينهما وهما الثقافة الدينية (الأزهر والزيتونة والقرويين)، والثقافة الغربية وقد استطاع أن يمزج بين أسلوبي المحافظة والتجديد في اعتدال وقوة، وقطع بذلك مرحلة طويله في هذا الطريق الذي سار عليه من بعده الموكب كله، فهو قد جدد «الأسلوب» حيث تحرر من الزخرف القديم وترجم من الأدب الفرنسي وحمل كتاباته من «المعاني» على نحو جعل الأسلوب وسيلة للإعراب عنها، وبذلك ألقى الضوء الأول على طريق المرحلة التجديدية.
ومن ثم بدأت الهجرة إلى أروبا وأمريكا من مختلف أنحاء العالم العربي حيث شكلت جماعات الأدب المهجري وبعثات الجماعات، وقد اتسم التجديد أول الأمر بالعنف ثم رد بعد ذلك إلى شيء من الاعتدال وهو إنما الدفع إلى العنف والتطرف نتيجة لروح الجمود الذي سار عليها الأدب العربي فترة طويلة وتحت ضغط ما بهر المهاجرين والمبعوثين من عظمة حضارة الغرب وحريته الفكرية، ولذلك مضى التيار التجديدي يعمق ويندفع وقد قام في الأغلب على الثقافة اللاتينية والترجمة العلمية من الإنجليزية والترجمة الأدبية من الفرنسية، ويمثل علماء لبنان جدارا ضخما في حماية اللغة العربية «اليازجين والبستانيين واليسوعين» وكان كتاب الشام أشد جرأة من كتاب مصر، وقد حملت الشام لواء إحياء اللغة وتجديد الأدب ودعوة القومية العربية والترجمة، فلما كانت الهجرة الاضطرارية إلى مصر امتزج تيار الشام بتيار مصر الذي كان طابعه علميا في الأغلب وقد جرى الصراع بين المحافظين والمجددين في ميدانين: 1) حول الأسلوب التقليدي الذي كان يحمل لواءه توفيق البكري ومحمد بيرم وعبد الله نديم ومحمد المويلحي وإبراهيم اليازجي والأسلوب الجديد الذي برز في كتابات فارس الشدياق ويعقوب صروف وجرجي زيدان وفتحي زغلول وقاسم أمين، ثم في أسلوب فرح أنطون وشبلي شميل.
وكان الصراع في الفكر تقدميا واضح الجرأة يقوم على أساس الدعوة إلى الحرية ومحاربة الاستبداد والاحتلال، وتحرير الدين من قيود التقليد، وتحرير المرأة من الحجاب ودفعها إلى التعلم والسفور.
قاوم جمال الدين ومحمد عبده وعبد الله نديم وعبد الرحمن الكواكبي الاستبداد والاستعمار في قوة وعنف، ودعا فارس الشدياق ورفاع الطهطاوي وقاسم أمين إلى تحرير المرأة، وبدا الطهطاوي وفتحي زغلول وعشرات غيرهم الترجمة من الفرنسية ويعقوب صروف وفارس الشدياق من الإنجليزية.
وبرزت الدعوة إلى إحياء التراث الإسلامي وبعثت اللغة العربية في كتابات رشيد رضا ورفيق العظم، وظهرت باحثة البادية وإخوات لها في الشام كزينب فواز يكتبن في الصحف وينشئن الفصول.
وهكذا تمثلت في هذه الفترة جميع عناصر الحياة الفكرية وهي تندفع إلى الحركة والحياة لتسد الفراغ الذي عاش فيه الأدب العربي خلال فترة الجمود والتقليد التي امتدت أكثر من ثلاثة قرون، وكأنما قد بدأت الحياة الفكرية تندفع بقوة وتتمثل في محاولة مقاومة الاستبداد السياسي والاستعمار والاحتلال الفكري وقد حملت الصحافة لواء المعركة بين المحافظة والتجديد، كانت مرآة لفكر كله، على صفحاتها أثيرت كل قضايا السياسة والاجتماع والأدب، صدرت «العروة الوثقى» في باريس لتقاوم الاستعمار البريطاني وصدر «المقتطف» في بيروت ثم انتقل إلى القاهرة ليترجم العلوم، وتطورت الحضارة وصدرت صحف تحمل رأي الاستعمار، وصحف تحمل رأي الحكام والأمراء، وصحف تحمل لواء الرأي العام وظهرت صحف تدعو إلى الجامعة الإسلامية، وصحف تدعو إلى القومية العربية، وصحف تدعو إلى القومية الضيقة في كل وطن عربي.
***
فإذا ما بدا القرن العشرون تبلورت هذه الحركات الفكرية وتعمقت هذه النزعات الفكرية ومضت تشق طريقها في قوة، أما الأسلوب التقليدي في الكتابو فقد ظل قائما، وإن كان قد تقلص في عدد قليل من الكتب، فنحن لا نلمح إلا في حديث عيسى بن هشام لمحمد المويلحي وليالي سطح لحافظ إبراهيم وأسواق الذهب لشوقي، أما فيما عدا هذا فإننا نجد أن الأسلوب العربي قد قطع طورا جديدا في طريق التبسيط والوضوح وخاصة على أيدي كتاب الصحف ومحرريها وفي هذه المرحلة تعمق تيار الترجمة فنرى «سليمان البستاني» يترجم الإلياذة إلى اللغة العربية شعرا وتستغرق ترجمتها منه أكثر من خمسة عشر عاما.
وظهر تيار الكتابة العلمية المتطرفة في كتابات شبلي شميل وترجماته للنشوء والارتقاء ونظرية دارون كما ظهر الأسلوب الإنشائي يحمل الفكرة والقصة والترجمة في كتابات المنفلوطي والبرقوتي.
وظهرت مجلات أدبية تحمل لواء الترجمة من الغرب مع إحياء التراث العربي على اختلاف في النهج