تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.6، ع7 /أبريل 1963 .................... ص 32

تطور النثر العربي المعاصر خلال قرن كامل

للأستاذ: أنور الجندي

تكشف دراسة تطور النثر في الفترة الممتدة منذ أوائل النهضة في العالم العربي (1840 تقريبا) حتى أوائل الحرب العالمية الثانية (1940) أن هذه الفترة كانت مجال معركة كبرى بين التقليد والتجديد في الأسلوب وبين المحافظة والتجديد في الفكرة والمضمون.

وقد تطور النثر العربي الحديث في خلال هذه المائة عام فقط، أربع مراحل واضحة المعالم خلال تيارين كبيرين هما المحافظة والتجديد، فقد كانت دعوة المحافظين تحمل لواء المحافظة على اللغة العربية والدفاع عنها ودخول معارك في سبيل حمايتها، وإبراز أمجاد العرب وإحياء تراثهم والدعوة إلى وحدتهم وعودتهم إلى الكيان الواحد والدفاع عن الإسلام، ومقاومة كل الأراء الباطلة التي أذاعها كتاب الغرب والدعوة الوطنية في سبيل الحرية ومقاومة الاستعمار والمطالبة بالجلاء، ولم يكن المحافظون من خريجي الأزهر وحده بل إن عددا كبيرا منهم كان متصلا بالثقافة العربية، بل ومنهم من تعلم في أوربا.

وكانت دعوة المجددين تتراوح بين الاعتدال والتطرف وتستهدف الاتجاه إلى الثقافة الغربية واستعمال أساليبها وتحرير الأسلوب العربي من قيود الزخرف، والترجمة من الآداب الغربية، وإعادة كتابة التاريخ الإسلامي والعربي وفق الأسلوب العلمي كما أدى إلى ظهور أدب المرأة بعد تحررها، وكانت في تطرفنا تنقل نظريات متعصبي الغرب أمثال رينان وغيره ممن يرددون نظريات فوارق الأجناس بين السامية والآرية واتهام العقل العربي بالقصور وتغليب اللهجات العامية وإثارة العصبيات القديمة البائدة كالفرعونية والأشورية والبابلية والبربرية وغيرها ومحاولة النقص من شأن الأمجاد العربية والتراث العربي واللغة والدين.

وقد عاش التياران جنبا إلى جنب خلال هذه الفترة يتصارعان ويتداخلان في معارك ضخمة متعددة كانت تشتد حينا وتهدأ حينا، ثم يتأثر كل تيار منهما بالآخر فيجري المحافظون ثمة إلى الأمام فيجددون في الأسلوب والمضمون ويذهب المجددون إلى التحفظ قليلا في إنكارهم للقديم كله، فنشأ من ذلك أربعة تيارات متداخلة: التيار المحافظ والمحافظ المعتدل، والتيار المجدد المتطرف والمجدد المعتدل، أما التيار المتطرف فهو الذي دعا إلى تغريب الفكر العربي تغريبا كاملا والسير سيرة الغرب ونقل حضارته كاملة (ما يحب منها وما يكره وما يحمد منها وما يعاب)، والتيار المجدد المعتدل الذي يدعو إلى التطور في النقل ومراعاة الظروف وحماية الشخصية الذاتية بحيث يزيدها النقل قوة ولا يمسخ معالمها الواضحة.

* * *

وفي خلال هذه الفترة الممتدة من 1830 إلى 1940 عاش الأدب العربي حياة خصبة ضخمة شديدة الحركة واسعة التطور، قامت في أساسها على اليقظة الفكرية التي جاءت بعد فترة طويلة من الجمود والتقليد في أواخر حكم المماليك كما يبدو في أساليب كتابنا في تلك الفترة، ويعد أسلوب «الجبرتي» عنوانا عليها.

ويمكن القول بأن «رفاعة الطهطاوي» هو رأي التيار الجديد حمل لواء الحركة التجديدية في العالم العربي كله في ميدانيه الكبيرين الأسلوب والمضمون، وهو تمثيل الصورة التي امتدت طويلا خلال تاريخ

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٠٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٠٢٦