أن يبكي لكنه لم يستطع، لقد تجمدت الدموع في محاجره وما لبثت أن تسللت إلى قلبه قطرات فيها دفء وحرارة.
إن الشيء الذي ما يزال يحز في قلبه ويقلق باله ويجعل جنبه يكفر بالمضاجع تلك الجلسات العلمية اللطيفة التي كان يعقدها مع أصدقائه والتي كانت تسودها روح الأخوة والمحبة والتي كانوا يطرقون أثناءها أحاديث مختلفة تمت إلى الأدب مرة وتتشعب مرات فتناول خليطا من الثقافة، ومما كان يضفي على هذه الجلسات البهجة والروعة تلك الروضة الجميلة التي تحرش عليها الياسمين وزانتها زهرات بيضاء انتثرت في أشجارها الصغيرة كما تنتثر النجوم في دجنه، إنها كانت آية في جمال، فكم آوتهم أياما عديدة رحابها، واستمعت إلى أحاديثهم المختلفة أرجاؤها، أين هي تلك الروضة اليوم، لقد عفت عليها السنون وطوحت بكل جميل فيها.
منذ أيام وقفت عليها استنطق ترابها وأوراق أشجارها اليابسة التي كانت فيما مضى تفيض بالحياة، وسألت وألحقت في السؤال بيد أن في تسألي رجفة حزن، ورنة أسى، فبكيت واستبكيت فغصت لهاتي بمثل آهة مكبوتة وتمثلت بقول النابغة الذبياني:
وقفت فيها سراة اليوم أسألها
عن آل نعم أمونا عبر أسفار
فاستعجمت دار نعم ما تكلمنا
والدار لو كلمتنا ذات أخبار الروضة أقفرت من الخلان فأصبحت سجل ماض حلو تعيش ذكرياته حية في نفسي ...
وهو أن ينس فلن ينسى تلك الليلة الساجية ذات النجوم السواهر اليقظى التي ألقى فيها قصيدته الغزلية فاهتزت لها النفوس طربا، وتحركت لها القلوب تأثرا:
أتى العاشقين الحسن منك مجددا
فلبى فؤادي في هواك مجرهدا
مضى عمر لم يكلف القلب بالهوى
فلاحت له أنوار حسنك فاهتدى
وما حسن يخلو الفؤاد من الهوى
ولا سيما قلب يحبك أسعدا
لحا الله من أحسن يفند مغرما
غدا بشراب الحب فيك معربدا
أبحت افتصاحي في محبة شادن
أحل دماء العاشقين تعمدا
يميل إلى هجري ولو أنه درى
بفرط اشتياقي واكتئابي توددا
حقيقة، كانت الجلسات جلسات لا يجود بها الدهر وإذا جاد بها فسوف يجود بصورة مصغرة منها، تلك أيام غبرت وانطوت بغير رجعة ...
*
استفاق القاضي الأديب الطيب بن ابراهيم بسير الرباطي الأندلسي من دوامة التفكير التي انداح فيها لحظات من الزمن انسلخ خلالها عن حاضره وغاص في يم الماضي البعيد ...
ترى من هوى الطيب بسير ... ؟
إنه أديب الفقهاء ونسيج وحده، فنان تقوده رهافة الإحساس، ويحدوه صفاء الطبع ونصاعة النحيرة، جاء إلى الحياة وفي عينيه إشراقات التفاؤل، ضرب بسهم وافر في مختلف العلوم فأصاب منها وقتئذ فانفردت وحدها بالصدارة والمكانة الباسقة التي لم يتمتع بها إلا بسير، بسير على حدة، بسير الذي نشد القمم وغفل السهول شأنه في ذلك شأن النسور.
أخذ هذا الأديب عن العلامة الرهوني والشيخ الغربي والقاضي العروصي وغير العروصي من جهابذة العلماء، وكانت دراسته على الرهوني أثناء إقامته يوازن عند الشيخ علي بن أحمد الوزاني وهو من جملة المقرظين لحاشية شيخه.
ولما أتم من التحصيل والطلب تصدر للإفتاء والتدريس فاستمد من ينبوعه الثر جمهرة من أفذاذ الفقهاء من بينهم العالم المكي بوجندار والطاهر بريطل.
وعندما عرضت عليه خطة القضاء وقف بسير وقفة تأمل وتدبر، وإقدام وإحجام، تارة يجمع شتات شجاعته وتارات تخونه عزيمته، وفي الأخير يتقدم إلى الميدان وفي نفسه عزيمة قوية على أن يقوم بعمله أحسن قيام، وقام للقيام بمهام القضاء وهو يعلم