تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقينا ما سوف يجده في طريقه من أشواك وصعاب ذلك لأن هذه المهمة تكمن فيها مسؤولية أقل ما يقال فيها أنها مسؤولية شائكة لمن يتقلدها ويقبلها وهو رابط الجأش، صادق النية، نقي السريرة بصيرة بما قد يرقد في كينونات المشاكل الحياتية التي تعترض سبيل الإنسان، وعلى الرغم من ذلك فقد زاول بسير القضاء وتحمل أعباءه وواجه المعضلات بصدر رحب وعقلية نفاذة فكان المنطق عماده في استنتاج النتائج، والتعالي عن المزالق ركيزته الأمر الذي جعله يمارس الوظيفة ومكناسة الزيتون.

ولعل هذا لم يتيسر إلا لمثل بسير الذي أظهر براعة فائقة كأشد ما تكون البراعة، مدهشة كأحسن ما تكون المهارة ...

تلك حياته ...

فما هي شاعريته؟ أهي صورة طبق الأصل لشخصيته؟ أم هي صعيفة مستضعفة؟ أهي قدت من حجر أصم، أم مستمدة من ينابيع الرقة والفتنة؟ ..

الجواب عن هذه الأسئلة يستقطب في هذه العبارات:

السحر الحلال، أتعرفه؟ السحر الذي لا تنفع فيه التعاويذ والرقى، أتعرفه؟ لا شك في أنك تعرفه وإذا لم تكن تعرفه فالجواب يأتيك طوعا:

شعره مصاغ من قلب مفعم بانسيابات عاطفية، ودفقات وجدانية تستحيل كلماته إلى وقعات كوقعات الأمل الرحيب، وحركات جائشة وهمسات زاخرة مؤثرة، ولهثات ملتهبة والتفاتات مرنانة الصدى ذلك هو شعره، انسيابات دفقات، همسات تمثل كل نقلة من نقلات الشعور وكل وثبة من وثبات الخيال وكل طفرة من طفرات الإحساس ترفدها موسيقى ليست هي الوزن والقافية التي يكون الوشاح الخارجي للقصيدة بل هي أصداء الانفعال الذي تحسه عندما تقرأ له قصيدة فتتجاوب معها تجاوبا خاصا يطرب أحاسيسك وتشعر كما لو كانت روح الشاعر قد تقمصت شخصك فلا تملك إلا أن تلهث:

لا فض فوك يا شاعر ..

وإن أردت الدليل على ذلك فخذ قصيدة له غزلية تتمشى في ثناياها حلاوة الرضاب وعذوبة النغم المجنح يخاطب فيها فتاة جميلة سرقت لبه وخلبت عقله إذ أنها تتمتع بجمال فائق وفتنة تفوق الوصف الأمر الذي جعل الشاعر يتساءل: هل فتاته خلقت من الشمس أم من النور والناس خلقوا من غير طينتها؟ ومما يؤكد ذلك تأكيد يقطع دابر الشك عندما يقرر أن فتاته ليست من نسل آدم ولكنها سرقت من الملاك ((رضوان)) الغافل، والشاعر قد كنى بهذا المعنى بأن فتاته من حور العين، وهو في كل ذلك يقتبس بعض الاقتباس من الشاعر ابن زيدون في قوله من قصيدته النونية المشهورة:

ربيب ملك كان الله أنشأه

مسكا وقدر إنشاء الورى طينا

أو صاغه ورقا محضا وتوجه

من ناصع التبر إبداعا وتحسينا

فاستمع إذ يحدثنا عن فتاته الآنفة الذكر:

يا بديع الجمال مم خلقت

أمن الشمس أم النور أنت

خلق المرء من حماء وطين

ومن النور والبهاء خلقت

لست أنت من نسل آدم لكن

كان رضوان غافلا فسرقت

وإن شئت دليلا آخر فاقرأ هذه الأبيات:

زمان أنارت مشرقات شموسه

بوصل رشا قد أخجل البدر نوره

رشا قد سطت الحافظة بسيوفها

ومزق قلبي واستتم سروره

وجيد جيد الريم يحكي صفاؤه

وحسنه بلورا فقلبي أسيره

ثم اقرأ له هذه الأبيات التي يشبه في البيت الأول منها الورد الجني بخدوج العذارى وقد وزينتها سوالف الشعر:

ولما بدا الورد الجني كأنه

خدود عذاري قد حمتها السوالف

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٠٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٠٢٣