دعوة الحق، س.6، ع7 /أبريل 1963 .................... ص 27
شخصيات من بلادي: أديب الفقهاء
للأستاذ: محمد المنتصر الريسوني
ذلك هو شعره، انسيابات، دفقات، همسات تمثل كل نقلة من نقلات الشعور، وكل وثبة من وثبات الخيال، وكل طفرة من طفرات الإحساس .. ترفدها موسيقى ليست هي الوزن والقافية التي تكون الوشاح الخارجي للقصيدة بل هي أصداء الانفعال الذي تحسه عندما تقرأ له قصيدة فتتجاوب معها تجاوبا خاصا يطرب أحاسيسك وتشعر كما لو كانت روح الشاعر قد تقمصت شخصك فلا تملك إلا تلهث:
لا فض فولد يا شاعر ...
إن كل شيء فيه يشي بالوقار ... عيناه الخافتتان ... ووجهه المتلالئ المائج بالبشر، قامته المعتدلة، مشيته الوليدة، التفاتاته الهادئة الحالمة، ضحكته الصافية الآمنة.
كل شيء فيه يشي بالوقار، كل شيء فيه يبعث في نفس رائيه الطمأنينة والراحة، فهو دوما يتحلى بنفس المنظر الجذاب إذا ما أصبح ويمتاز دوما بنفس المظهر الرائع إذا ما أمسى حتى ليخيل لبعض أصدقائه أنه ليس بشرا بل روحا شربت من خمرة الطهر المعصر من دنان ماء المزن، وتذهب بهم الظنون كل مذهب في سر ما هو عليه من هدوء شامل لا يستثيره ما حوله عن ضوضاء، لا تجده إلا مبتسما للحياة يتمثلها من وراء منظار أبيض، يسير في مساربها إلى غاية، يسير ومسعى يسدد خطاه، وأمل يلوح له من بعيد، ورؤوى ترقص على حواشي آماله الوليدة تدعوه إلى أن يقدم حيث ينتظره مجد سماوي وإشراقات غيبية، وأرواح أزلية تباركه وتؤمن له بأن مغريات الدنيا لا تلبث أن تنطفئ في لمح البصر، وأن القناعة النفسية والزهد في الأعمال، كل ذلك يزرع في طريق المرء بساطا من الزهور مختلفة الألوان والأشكال ...
من أجل ذلك انقطع بعض الشيء عن الحياة انقطاعا لم يجعله يطلقها طلاقا بالثلاث وإنما كان يحاول ما وسعته المحاولة أن يجانب ضوضاء الناس ومخالطتهم وكثيرا ما كان يتساءل في أعماق نفسه: ما الجدوى في الثرثرة، ما الجدوى في الكلام المتطرف الذي قد يؤدي إلى نهش الأعراض، كثيرا ما كان يتساءل في أعماق نفسه فيجد الجواب ينساق إليه انسياقا:
لا جدوى، غير أن الخير كل الخير في المثابرة الروحية التي تنبثق من مكمنها قوى الغلبة الداحرة للرغبات الدنيوية الظمأى.
قصد المسجد الذي اعتاد ارتياده وتوجه إلى المكان الذي ألف الجلوس فيه ثم راح في تفكير عميق يتأمل ويوقظ صورا لشبابه الذي دب إليه البلى، وحاول