تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.6، ع7 /أبريل 1963 .................... ص 20

كيف سما الإسلام بالغريزة الجنسية

للأستاذ: فريد العراقي

يتدخل في سلوك الإنسان غرائز فطرية جبل عليها، وهي أساسية في انتظام حياته، منها غريزة المقاتلة، وحب الاستطلاع، والبحث عن الطعام، والرغبة في الاستعلاء .... والغريزة الجنسية أو غريزة حفظ النوع ـ ومعناها وجود ميل فطري بين الرجل والمرأة، ميل عميق في التكوين الحيوي، يجعل الرجل يطلب المرأة والمرأة تطلب الرجل حتى يتم الإبقاء على الجنس البشري، ويتم امتداد هذه الحياة على ظهر الأرض، وتتحقق خلافة الإنسان، واستعماله لهذه الأرض «هو الذي خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة». وتظل هذه الغريزة تلح على التقاء الرجل مع المرأة حتى يتم ذلك. ولذلك لابد أن ينظم هذا اللقاء حتى لا ينشأ عنه فوضى، تؤدي بحياة الإنسان وحضارته وتفسد كل تنظيم يقيمه وتحطم كل تقدم يحرره ... ولكن كيف يتم هذا التنظيم؟ ليس له إلا طريقة واحدة وهي أن يتم لقاء رجل معين مع امرأة معينة بعقد يشهده الناس ويباركونه وهو الزواج المعروف بشروطه وقوانينه ومقدماته، ويتم ذلك حينما يستطيع الرجل تحمل تبعاته المادية، ويكون مستعدا لذلك جسميا ونفسيا، وعليه في هذه الحالة أن يسارع لتحقيقه ولا يتأخر عنه. فقد قال عليه السلام: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج» الباءة = المقدرة) وهذا هو التصريف السليم لهذه الغريزة فيشعر الشاب برجولته ويصبح رب أسرة مسؤولا عن بيت تشاركه زوجه في بنائه فيتربى على تحمل التبعات وبشعر بقيمته في المجتمع يساهم في بنائه ويتحمل نصيبه من العمل لخدمة وطنه وسعادة مجتمعه.

عقبات في الطريق:

ولكن المجتمع الذي نعيش فيه، سرت إليه تقاليد وعادات غريبة عنه: فقد بساطته، وتعقدت أمامه وسائل الحياة وفقد الزواج معناه الفطري السليم وأصبح مجالا للتفاضل بالأثاث والرياش والمباهاة بالمظاهر والحفلات التي لا تغني شيئا بل قد تكون فيما بعد نكبة وسببا من أسباب فشل الحياة الزوجية مع أن الإسلام يقرر أن أكثر الزواج بركة أقله نفقة.

وكان أن تعقدت في هذا المجتمع وسيلة كسب العيش، وأصبح الشاب الذي يبلغ الحلم في سن الرابعة أو الخامسة عشرة أو ربما قبل ذلك لا يستطيع أن يجد المجال الطبيعي لا تباع غريزته بالطريق الطيب الحلال أي «الزواج» إلا في سن الخامسة والعشرين أو أكثر، إذ عليه أن يبقى عشر سنوات في صراع مع دوافع الغريزة في نفسه التي تلح عليها أن يشبعها بأي وسيلة أو بين تقاليد المجتمع الموروثة وبقية من خلق وفضيلة لا زال يتظاهر بها هذا المجتمع، يقه الشاب في صراع شاق عنيف إن لم يجد ما يعنيه عليه ويشد أزره فيه ويقدم له العون والنصيحة المخلصة فإنه قلما يتماسك في هذا المجال. سنوات عجاف على الشاب أن يمضيها قبل أن يعترف له المجتمع بحق إقامة الأسرة، (ويقول علماء النفس في هذا المجال أن كبت الغريزة بصيبه بكثير من العقد والعلل النفسية، وهم بهذا يصرحون من طرف خفي بالتحايل لإشباع هذه الغزيرة قبل الطريق السليم المشروع ولكن لنقف وقفة أمام الكبت والقمع).

الغريزة بين الكبت والقمع:

والمقصود بالكبت. كبح دوافع الغريزة في النفس ومقاومة الميل الفطري، والغريزة لا تقاوم، والفطرة لا تقهر. فعندئذ لابد أن تتسرب الغريزة في جنبات النفس كطوفان غامر وجد أمامه سدا منيعا، فلابد أن يفيض على الجوانب ويتسرب إلى الأعماق، وفي كلتا الحالتين تحدث في النفس البشرية إلى الأعماق، وفي كلتا الحالتين تحدث في النفس البشرية وفي الجسم البشري تلفا وفسادا. والإسلام لا يكبت الغريزة بهذا المعنى بل يعترف بها ويقررها حقيقة واقعة (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث)، فهذا الميل إذن محبب إلى النفس ليس بقذر في ذاته ولاعيب ولا دنس بل أن النبي عليه السلام يقول أحبب إلي من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٠١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٠١٤