الصلاة)، وبهذا يتمشى الإسلام مع الفطرة السليمة والنفوس المستقيمة يعترف بدوافع النفوس وحاجاتها ثم يلبيها بطريقة منظمة نظيفة. فلا يترك لها العنان لتندفع كالمجنون وكالسيل العارم لتفسد كل شيء.
ولكنه يضع العقبات في طريقها، لا عقبات تستأصلها من أعماق النفس ولكن موانع وحواجز لتحتفظ بها لوقت الحاجة يقيم هذه الحواجز والموانع لا في داخل النفس ولكن من خارجها ويبعد عنها أسباب الإثارة والإغراء.
ولينتفي بذلك الكبت ويبقى القمع والإرادة والتحكم السديدة لا في الدافع الفطري الغريزي، ولكن في الدفعة الجامحة والانطلاق الحيواني الشهواني. أنه إذن يعترف بالغريزة ويقرها ولكنه يقف دون الطرق الغير المشروعة التي تود أن تسلكها للتنفيذ والإشباع، وليس هذا القمع والتحويل أدنى درجة في الخطر على النفس والمجتمع بل هو ضروري لإثبات الوجود الإنساني وبيان تعين بالعقل والبصيرة والتفكير. وارتقاء كريم من عالم الحيوان الأعجم الذي تسيره الغريزة دون بصيرة منه أو تفكير.
مثال من غريزة أخرى:
ولنأخذ غريزة البحث عن الطعام التي تحبب الأكل إلى كل نفس، فلو قال إنسان أن حب الطعان رذيلة وخطيئة ثم هو في نفس الوقت محتاج أن يأكل ويشرب فهذا هو الكبت الذي يوقع النفس في صراع عنيف برغبتها الملحة بين أوامر العقل الباطن في استقذار هذه الدوافع فتنشأ العقد النفيسة والاضطرابات العصبية، ولكن الرغبة في الطعام إن تركها لتتبع نفسها دون رقيب أو تنظيم، إذن لوجدنا الأيدي تمتد إلى كل فاكهة حلوة في الطريق وتختطف كل طعام تشتهيه وتلتهم ما قد ييسر لها من الطعام التهام الحيوان المفترس الذي لا يعقل ولا يفكر. إذن لابد أن تذهب هذه الغريزة وتقوم. فنكون للطعام نظاما لتناوله وآدابه، والطريق المشروع للحصول عليه، فإذا أعجزه ذلك فليصبر قليلا على الجوع والعطش حتى ينال بذلك حاجته بطريق طيب
ولقد أبيت على الطوى وأظله
حتى أنال به لذيذ المطعم
ولم يقل إنسان بأن ذلك التنظيم والقمع لغريزة البحث عن الطعام والحصول عليه يصيب النفس بالعلل والأمراض، فما بالنا نقر هذا التنظيم في مجال هذه الغريزة ثم إذا طالبنا بالتنظيم في الغريزة الأخرى قالوا لنا أن هذا يصيب النفس بالصراع والعلل وما هي إلا دعوى شيطانية لا تستند إلى أسس من علم أو عقل أو بصيرة. اللهم إلا باتباع الهوى والتحايل الخبيث على إفساد المجتمع وانسلال أفراده .... إن ضبط الغريزة الجنسية وقمعها وتنظيم مصارفها لهو واجب على كل شاب حتى تستقيم حياته، ولم ينتج عنها من أثر في الجسم أو النفس إلا تقوية الإرادة وتماسك العزيمة. وإلا يكون الإنسان أسير شهوته وعبد رغبته، بل يتعالى عن كل هذه الدعاوي في نفسه وبذلك يتعود معالي الأمور، ولا تشق عليه تكاليف الحياة ومشاكلها ويجد في نفسه القوة التي يقابل بها الصعاب والأزمات فلا تخور نفسه أمام كل نازلة ولا يذهب إليه عند كل مصيبة. ولكن هذا القمع لابد له من أسباب تساعده وتأخذ بيده. ومن الأسباب التي تعين الشاب على العفة في حياته المقبلة.
1) التربية الدينية: ولا نقصد بها تعليمه الصلاة والصيام وفرائض الإسلام فحسب ولكن نقصد من ذلك تربية وجدانه الديني وتقوية إيمانه بالله إيمانا يجعله يدرك تمام الإدراك أن عين الله تلحظه في كل وقت وأن عنايته تحوطه في كل مكان وأن علمه لا يخفى عليه شيء حتى حديث النفس وخواطرها مكشوفة معلومة لله «ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد» «ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة ألا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا» «وما تكون في شأن وما قتلوا منه من قران ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه» فيعيش الشاب في هذا الجو الروحي الكريم يعبد الله كأنه يراه (فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، فإذا همت نفسه بمعصية أو حدثته بخطيئة أو سؤلت له شرا عف من أعماقه: الله معي، الله يراني، الله ينظر إلي، فيستحي أن يراه الله على معصية فيعيش دائما في قانون من أخلاقه وحصن من فضائله لا يقاوم نوازع الفطرة وإنما يحافظ عليها حتى يصرفها في الطريق المشروع السليم، وإن الغريزة لتعرف كيف تصرف نفسها بنفسها فتخرج الفضلات الزائدة وحدها بغير إثارة ولا تنبيه في النوم حتى لا يكاد يدرك الإنسان ذلك في الصباح.
العلاج الثاني وهو سلبي يتلخص في منع أسباب الإثارة والإغراء فلا بد من إقامة مجتمع نظيف لا تهاج فيه الشهوات في كل لحظة ولا تستشار فيه الغريزة بدفعات اللحم والدم في كل حين فالنظرة الخائنة والحركة المثيرة والزينة المتبرجة والجسم العاري والكلمة المتكسرة كلها تهيج السعار الحيواني المجنون في النفس وتثير كوامن الغريزة، فتنطلق باحثة