أممهم كانت معروفة لبني إسرائيل على سبيل التفصيل، فوجب أن يحتج على كلا الفريقين بما يعلمان ويسلمان، إذ الحجة لا تقوم على الخصم إلا بما يعلمه ويسلمه ويقره، أو بما شأنه أن يعلمه ويقره وأن لم يقربه بالفعل استكبارا وعنادا وترفعا عن الحق لاسيما وعقلية هؤلاء الأمم المذكورة في القرآن قريبة من عقلية العرب وبني إسرائيل المحتج عليهم بأمواتهم وبما وقعوا فيه من جراء مخالفتهم لأنبيائهم، وذلك من حيث الدم والجوار والمناخ والأحوال الاجتماعية المتوارثة فيما بينهم جيلا بعد جيل، فذكرهم والاحتجاج بهم في القرآن بالخصوص مظنة التأثير على عقلية العرب وبني إسرائيل وتفكيرهم، وليس كذلك أمم الصين واليابان وأندونيسيا والهند وإفريقيا وأوربا وأمريكا وما سواها من الأمم البعيدة، فأحوال هذه الأمم مع رسلهم والأخبار بما في القرآن على جهة الاحتجاج على العرب وبني إسرائيل بعيد التأثير على كل من العرب وبني إسرائيل حيث كانوا لا يعلمون منها شيئا لا جملة ولا تفصيلا، وكذلك عقلية هذه الأمم بعيدة عن عقلية العرب وبني إسرائيل حيث لا يجمعهم بهم دم ولا نسب ولا جوار ولا غير ذلك مما يقربهم لبعضهم ويجعلهم يتأثرون بما يتأثر به البعض منهم.
إن مدار التشريع غالبا لدا الأمم والدول هو الأحوال الاجتماعية والعوائد المألوفة للناس وقت التشريع، فلهذه الأحوال قوة التأثير على التشريع جملة وتفصيلا إذ لولا مراعاتها لعارضت الأمم فيه، واستحال الأمر إلى فساد، وانحلت الرابطة بين الأمم وحكوماتها، ووقعت الفوضى والمضاربة بين فريقي الأمة والحكومة، حيث أن الناس مجبولون على اعتناق عوائدهم ومألوفاتهم، ولو أدى الأمر إلى ما أدى، ومن أقوال الحكماء الجارية مجرى المثل: (العادة طبع خامس)
وأغلب ما كان يكون بين الملوك المستبدين وأممهم من قيامهم عليه ومحاربتهم أة عزلهم بالكلية، هو عدم مراعاة أحوالهم في التشريع الذي يشرعونه، إذ كانوا أكثر ما يكونون مغرقين في ملذاتهم لا هم لهم إلا استحصال هذه اللذات، ولا ينظرون في مصالح أممهم ولا عوائدهم وما لحفظها عليهم إلا تبعا، فتقع الكارثة، إلى أن تمكنت الأمم المتمدنة في هذه العصور الأخيرة من حصر دائرة نفوذ ملوكهم بجعلهم بمعزل عن دائرة التشريع بالكلية، وجعل هذا التشريع بين طائفتين من نواب الأمة الأولى تسمى (مجلس النواب) وهي التي تتولى التشريع مباشرة، والثانية تسمى (مجلس الشيوخ) وهذه الطائفة شأنها أن تتصفح ما شرعته الطائفة التي قبلها فتنبه على ما فيه من مضار ومنافع وخطأ وصواب.
وقد راعى الإسلام في تشريعه الأحوال الاجتماعية إذ ذاك كل المراعاة، فنرى القرآن أولا لم يكثر من درس مسائل التشريع وإنما، ذكر منها ما دعت إليه الضرورة وقت التنزيل، وغالب ما ذكر في نظرنا منها ما كان متعلقا بالأحوال الاجتماعية كبعض مسائل النكاح والطلاق وما يتبعهما، وكذلك بعض مسائل الإرث، والنظر في أموال اليتامى وحفظها لهم، وترك غالبية مسائل التشريع إلى اجتهاده (صلعم) أو اجتهاد أولي الأمر من بعده وهم العلماء الذين فيهم الكفاية والقدرة على ذلك كما يفيد ذلك قوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) إذ النوازل الكلية والجزئية لا حصر لها حتى يمكن أن تحصى في القرآن الكريم، وحتى يمكنه أن ينص عليها ويبينها تفصيلا.
ونراه ثانيا بحسب ما ظهر لنا أنه قسم المسائل التي حكم فيه إلى ثلاثة أقسام: الأول ما كان شائعا في الأمة جميعها ولا تمكن معارضته لما فيه من الضرر ونسخه بالكلية، وذلك كتعدد الزوجات وكتعدد الطلاق، وكامتلاك الرقيق، وكجعل الولي على الأنثى في النكاح، وكجعل نصيب الذكر في الإرث ضعف نصيب الأنثى.
فإن هذه الأمور وإن كان فيها الضرر المشاهد على فريق للفريق الآخر، إذ كيف يسيغ عند الأنثى ويرضيه إن تذل وتهان لزوجها بإشراكه إياها في عصمته لزوجة أو أكثر إلى أربعة، وما يتبع ذلك من المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمبيت، وغير ذلك من حقوق الزوجية كالإرث بعد الموت، ثم كيف يسيغ عقلها ويرضى أن تكون دائما معرضة لإذلاله بالطلاق، وكيف يسيغ عقل البشر أن يملك أحد أفراده فردا أو أفرادا آخرين من جنسه وهو مثله في قوة العقل والإدراك والقدرة على الاكتساب والتمتع بسائر ملاذ الحياة وغير ذلك، وكذلك كيف يسيغ عقل الأنثى أن تحجر ويملك عليها أمرها وحريتها عند العقد لولي نكاحها كأبيها وغيره من الأولياء، وكيف يسيغ عقلها أيضا أن يكون نصيبها من الإرث على النصف من نصيب الذكر.