تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غير أن الإسلام راعى هذه الأضرار كل المراعاة وأدخل في بعضها إصلاحات عديدة حيث لم تكن الأمة قابلة إذ ذاك لمحوها وإزالتها من الوجود لكونها كانت شائعة متفشية فيها راضيا كل فريق بما امتاز عليه به الفريق الآخر.

ألم يكن الرجل قبل الإسلام يجمع بين ما شاء من الأزواج في عصمته ولو بلغن مائة فأكثر؟ ألم يكن الزوج إذ ذاك يطلق زوجه ما شاء من الطلقات ولو مائة ويردها إلى عصمته كلما أراد؟ ألم يكن الرق متعارف معمولا به لدا كافة الأمم والدول؟ ألم يكن الرجل يتحكم في بنته بالقتل فما دونه من الأضرار من غير أن يجد معارضا له في ذلك؟ فكيف تفلت من يده وقت النكاح وتكون لها الحرية المطلقة في ذلك في غير الأب من أولياء النكاح، ألم تكن الأنثى محرومة إذ ذاك من الإرث بالمرة إلا في أحوال استثنائية، بل ألم تكن الأنثى في المجتمع العربي وغير العربي شيئا غير مذكور لا يؤبه به ولا يلتفت إليه، وإنما نلاحظ على أنها متاع من أمتعة الذكر.

فلما رأى الإسلام هذه الأشياء وتمكنها من الأمة كل التمكن، وأن معارضتها ونسخها بالكلية ربما أدخل على الأمة وعلى الإسلام أضرارا جمة، عمد إلى إصلاحها فقصر الرجل الذي كان له التمتع بمن شاء من الأزواج على أربع زوجات فقط ريثما يضعف هذا التعدد مع طول الزمان من تلقاء نفسه، ومن مقتضيات الكلف المدنية وغير المدنية الملقاة على عاتق الذكور سواء من تلقاء كلف الزوجات أو تلقاء كلف الحالات الاجتماعية عموما، ومن تلقاء كلف ضرائب الدولة، وهذا الضعف في تعدد الزوجات هو المشاهد في وقتنا سواء في الحواضر أو البوادي، فإنك لا تجد الواحد في الألف من أهل المدن له زوجتان ولا تجد الواحد في الألف من أهل البوادي له أكثر من زوجتين، وتجد غالب التعدد للزوجات في البوادي إنما يأتي من قبيل كثرة كلف البادية بمثل المسقى والمحتطب وكلف الماشية وغير ذلك من الكلف.

ثم قصر طلاقه الذي كان لا حد له على ثلاث تطليقات إذ أن الطلاق من ضروريات الاجتماع إذ كما يتسبب الاجتماع في ربط الذكر بالأنثى بواسطة النكاح لذلك يتسبب في افاراقهما بواسطة الطلاق لأمور تقتضي ذلك.

وحيث قصر الإسلام الطلاق على ثلاث مرات صار الزوج كلما صدر منه طلاق لزوجه أحس بضيق خناقه فيها وتوقع رفع يده عليها بالمرة، وإفلاتها منه إذ أوقع عليها الطلقة الثالثة، فعزت بذلك لدا زوجها ولدا المجتمع في الجملة وبذلك قل الطلاق في الأمة كثيرا، حتى أنك لو أحصيت الطلقات التي تقع شهريا في المدن التي يبلغ عدد سكانها المليون فأزيد لوجدته شيئا تافها بالنسبة لعدد أولئك السكان ونرى لزيادة تقليل الطلاق ما أمكن، أن تضع حكومات الإسلام عقوبات مختلفة الأقدار على من طلق زوجه لغير سبب معقول ثابت ببينة أو بإقرار الزوجة أو يقرأن الأحوال، كمن يحلف لا أفعل كذا فيفعله حيث أهام زوجه وعرضها للطلاق بأمر خارجي، فالطلقة الأولى عقوبة مالية خفيفة في الجملة بالنسبة للمطلق إن لم يكن له معها أولاد، فإن كان له معها أولاد فيزاد فيها بالنسبة لعددهم، حيث عرضهم لمحنة الفرقة الواقعة بين الأبوين والعداوة المترتبة بينهما من أجل ذلك زيادة على فرقة هؤلاء الأولاد عن أبيهم أو عن أمهم، ثم الطلقة الثانية تكون عقوبة أثقل من الأولى، ثم تكون عقوبة الطلقة الثالثة أشد من الثانية.

وذلك بناء أولا على الأصل في الطلاق المنع عليهما، وقد قال السيد عبد الرحمان العيساوي في تأليفه الذي سماه (لماذا أنا مسلم) ما نصه: وقد نص ابن عابدين في حاشيته وهي من أهم مراجع الفتيا والقضاء الشرعي على أن الأصل في الطلاق أنه حرام، وإن الإباحة إنما طرأت على حكم تحريمه للحاجة إلى الخلاص، فحيث تجرد عن الحاجة المبيحة له شرعا يبقى على أصله من التحريم، ثم قال وهذا الحكم مأخوذ من قوله تعالى (فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا).

وثانيا على القول بجواز العقوبة بالمال إذ المسألة فيها خلاف كبير، أنظره في شراح العمل الفاسي لدا قوله:

ولم تجز عقوبة بالمال * أو فيه عن قول من الأقوال

كما أصلح حالة الرق من عدة وجوه فجعله واجب الحل والقضاء عليه بالمرة، وإن يخرج الرق حرا طليقا في ذاته وسائر أحواله، وذلك في بعض الأحوال، ومن جملة هذه الأحوال أن يتملك الإنسان أقرب القرابة إليه كأبويه وإن علوا وأولاده وإن سلفوا. وإخوته المباشرين لإخوته، ومن جملتها أيضا تشويه الرجل خلقة مملوكه قصدا، ومنها ما أوجبه الشرع من النظر في الأسرى

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٠٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٠٠٧