تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نحن نرزقهم وإياكم. فبدأ برزقهم للاهتمام بهم، أي لا تخافوا من فقركم بسبب رزقهم فهو على الله. وأما هنا لما كان الفقر حاصلا، قال نحن نرزقكم وإياهم، لأنه الأهم هاهنا. والله أعلم.

فإن قيل، إن هذه الآية وردت في قتل من ثم خلقه وولد وصار حيا يرزق. فكيف يستدل بها على منع الحمل الذي لا يزيد على منع الذرتين المنويتين من الاتحاد أو على إبادتهما بالأدوية التي تقتل الجراثيم؟ فالجواب. إن هناك قدرا يجمع بينهما، وهو قطع الحياة في كل لغير سبب يبيح ذلك أو يوجبه. وهو جريمة. ولا يخفى أن أصل الحياة كلها خلية لا ترى بالصبر، كما وضح ذلك في كتب علم الحيوان وعلم النبات. فالذرتان المنوبتان تتمتعان بالحياة التي يستمتع بها كل حي. والذي يغلظ الجريمة هنا هو الجهل بسنن الله وعدم الثقة بوعده والقصد السيء الدال على ذلك. والعدول عن اتباع سنة النبي (ص) والاهتداء بهديه واتباع السلف الصالح والاقتنان بالآراء الأجنبية الصادرة عن القلوب الحجرية المظلمة الكافرة اليائسة من روح الله.

فمن الأوربيين من يعزم على أنه لا يلد ولدا حتى يهيء له من المال ما يكفي لتربيته تربية تشبه تربية أبناء الملوك. فمن ذلك أنه يعد له مربية وغرفة مملوءة بأنواع اللعب وينفق عليه ما يكفي لإعاشة عشرة أولاد معيشة معتدلة صحية ليس فيها تدليل مفسد.

ويؤمل أن يصير ولده هذا المدلل رجلا عظيما من الزعماء فيخيب ظنه وينشأ ولده في نعمة ورفاهية ودلال ضعيف العقل والجسم فاسد الطبع خائر العزم أينما وجهة لا يأتي بخير. وفي مقابل ذلك يوجد في أوربا نفسها فلاحون وعمال لا يحددون نسلهم، فيلدون أولادا ينشئونهم على خشونة العيش والكدح والعمل، فلا يبلغ الواحد منهم السابعة من عمره حتى يشرع في مساعدة والديه. وبدل أن يكون لهما ولد واحد مدلل ضعيف يكون لهما ما بين ثلاثة وسبعة أولاد أقوياء البنية مدربين على العمل أينما سقطوا لقطوا وحيثما وجهوا جاءوا بخير. وقد أخبرني ضابط ألماني كبير أن الجنود من أبناء الفلاحين أقوى أجساما وأحسن أخلاقا وأصبر على المشاق وأقنع باليسير من الغذاء.

قال، وأنا لا أعتمد في المهمات على أبناء المدن، وإنما اعتمد على أبناء الفلاحين. وأعرف رجلا في البلاد العربية عاش طول عمره يشتغل بالبناء فقيرا، فلما بلغ الولد الأول والثاني من أولاده بضع عشرى سنة اتخذا دكيكينا في القرية يبيعان فيه الطحين، وإنما يأخذان من أحد التجار الكيس بعد الكيس فيبيعانه بالأرطال، فما زالت تجارتهما في نمو، وكل من كبر من إخوتهما يلحق بهما ويتعاون معهما. فلما اتسعت تجارتهم بنوا قصورا في قريتهم وصاروا من كبار أغنيائها، ثم دخلوا المدينة، فاستولوا على قسط وافر من تجارتها، وهم الآن من أعظم البيوتات في وطنهم.

وعاش أبوهم بقية عمره مبجلا قرير العين في نعمة ورفاهية. وأعرف رجلا آخر لم يعش له من الأولاد الذكور أحد إلا بعد ما بلغ سن الكهولة، فولد له ولد فكاد يجن من الفرح وصار الوالدان يدللان ولدهما تدليلا أفسد طبعه وخلقه وجسمه، ثم ولد لهما بعده ولد آخر فلم يهتما بها فتربى تربية خشنة. وقد الأول، غمره خمس سنين من فرط دلاله يأمر الخادمة أو أمه أو أخته أن تحمله على ظهرها وتصعد به السطح ثم يأمرها أن تحمله وتنزله. ثم يأمرها أن تصعد به مرة أخرى حتى تتعب وينقطع نفسها. وأحيانا ينام في المهد ويأمر إحداهن أن تهزه به ـ وأحيانا يبكي بلا سبب فيعرض عليه كل ما في الإمكان من المشتهيات فلا يرضى بشيء، ويستمر في البكاء فإذا تعب ينادي أسكتوني أسكتوني. فتجيئه إحداهن فتقول أنا أسكتك، فيقول بصوت الباكي، لا لا لا أحبك أنت فاغربي، ثم تأتي الأخرى فيختار من بينهن واحدة يسكت بطلبها. هذا الولد المدلل لم ينجح في المدرسة. ولما كبر لم يجد شغلا. وأما أخوه فهو الآن مدير أحد المصارف. ومن هذا تعلم أن الاعتذار لتحديد النسل بعدم وجود المال الكافي لتربية الأولاد اعتذار باطل. وأن تحديد النسل لا يجوز أو يجب إلا لضرر يلحق بالوالدين أو الأولاد، لا يمكن احتماله. وليس الفقر والخوف من قلة الغذاء سببا مبيحا لمنع النسل. وأما منع النسل خوفا من تكاثر الجنس المنحط في بلاد الجنس الآري المقدس كما كان هتلر وأمامه في ضلالته (روزنبرك) وشيعتهما يعتقدون. ومثال ذلك مذهب حكومة اتحاد جنوب إفريقية وما يقع من العدوان من البيض على الزنوج في أمريكا، فكل ذلك من أعظم ما عرفه البشر من الجرائم. ولو زال التعصب الممقوت للأوطان وتعاون الناس كلهم على استخراج خيرات الأرض كلها، وتركوا الاستعداد للحروب والطغيان والاستعباد، ووزعوا الأغذية فيما بينهم توزيعا يهيمن عليه العدل والإحسان لعاشوا جميعا في خفض ونعمة ورفاهية عيشة راضية، وإن بلغ عددهم عشرات الألوف من الملايين. ولله در ابن زريق إذ يقول قصيدته العينية المشهورة:

والله قسم بين الناس رزقهم

لم يخلق الله من خلق يضيعه.

مكناس: تقي الدين الهلالي

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٠٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٠٠٤