تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أخبرني المغاربة الذين كانوا في برلين في زمان هتلر أن بعضهم قبل إجراء ذلك العمل الجراحي فأصابه بسبب ذلك مرض لازمه حتى مات منه. وأعرف شابا مغربيا من حوز مراكش اسمه عمر كان متزوجا بامرأة ألمانية فدعته الدائرة المختصة لإجراء تلك الجراحة فأبى، فسجن، وكانت زوجته الألمانية تشتغل وتزوره في السجن وتحمل إليه ما يتيسر لها من الطعام وتقوم بغسل ثيابه، فدعاها رئيس الدائرة وقال لها ما تريدين بهذا المغربي المتشرد؟ فارقيه فنرد عليك جنسيتك الألمانية ونعطيك شغلا في الحال فامتنعت وقالت لا أفارق زوجي ولا أغدر به في وقت الشدة.

فلما طال عليه الحبس وكانوا قد عرضوا عليه مرارا أن يتجند في جيش فرانكو فيطلق سراحه ويرسل إلى إسبانيا فكان يقول لهم أنا لا أقبل العمل الجراحي ولا أتجند في جيش فرانكو، لأنني لست إسبانيا، أنا مغربي فإن شئتم أو توصلوني إلى بلاجي فإني أقبل ذلك شاكرا. أما إسبانيا فلا أذهب إليها. وكان الجنرال فرنكو قد التمس من الألمانيين أن يبعثوا إليه كل من عندهم من المغاربة الذين يقبلون التجنيد. فلما طال الحبس على عمر المسكين قبل أن يتجند ويذهب إلى إسبانيا فأرسلوه ومعه زوجته الألمانية إلى فرنكو. ولا أدري ما فعل الله به.

نعود بعد هذه الجولة إلى منع الحمل خوفا من قلة الغذاء فنقول، قال الله تعالى في سورة هود (6 وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين) وقال تعالى في سورة الذرايات (56 ـ 57 ـ 58 وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين). وقال تعالى مخاطبا رسول (ص) وأمته تبع له في سور طه (132 وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لانسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى) فكل من يعبد الله ويحافظ على الصلاة وغيرها من أمور الدين يخرج الله له رزقا ولو من صخرة صماء. وعدا الله لا يخلف الله وعده. وقد رأيت في معرض (دوسلدورف) بألمانيا آلة عظيمة يلقى فيها الخشب في جانب فيخرج من الجانب الآخر قطنا أبيض محلوجا في غاية البياض والنظافة.

وسمعت من إذاعة لندن في هذه الأيام أن بعض العلماء يجري تجارب لاستخراج الطعام من مواد معدنية.

ويقطع النظر عما سيكون، فإن كل مؤمن بالله، وأكثر أهل الأرض مؤمنون به، يعتقد أن الله لا يخلق إنسانا ولا حيوانا، إلا وقد أعد له رزقه. ولا يمكن أن يخلق الله خلقا أكثر مما خلق لهم من الأغذية. كما أنه خلق من مادة الأكسجين التي يتنفسها الحيوان، والإنسان على قدر المتنفسين. فكل حيوان خلقه الله فقد ضمن له ما تقوم به حياته. لا يتخلف ذلك أبدا، لأنه من السنن الكونية ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا. يقال، إن في الهند خمسة ملايين من البشر، لا مأوى لهم، وإنما يهيمون على وجوههم طول حياتهم. وسمعت أن بعض أهل البيوت الفقيرة في الهند إذا انقضى زادهم أغلقوا بابهم وماتوا جوعا، فلا يهتم بهم أحد. ولا أدري أهذا صحيح أم لا؟ وعلى فرض صحته فليس ذلك ناشئا عن قلة ما خلق الله من الأغذية في الهند، ولكنه ناشيء عن طغيان الطبقة الغنية الشريفة المقدسة واحتقارها لمن دونها. ومن دونها من الطبقات يحتقر من دونه منها حتى يصير الأمر إلى الطبقة المنبوذة المستنجسة، إذا وقع ظل الواحد منهم على طعام ينجسه. فلو أن الأرزاق قسمت بالعدل وفسح المجال للطبقات المحتقرة أن تكتسب رزقها لكانت الأرزاق تزيد عن حاجة الناس. ولنضرب لذلك مثلا فنقول: إن من أغنياء الهند من يملك بضعة وعشرين من الفيلة فقط، غذاء الواحد منها يكفي خلقا كثيرا من البشر، وإنما يكتسبها للتفاخر والتكاثر. وقال تعالى في سورة الإسراء (31 ـ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا)

قال ابن كثير في تفسير سورة الإنعام، في الآية المماثلة لهذه، وقد تقدمت: (ج4/ 148/ وقوله تعالى: ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم) لما وصى تعالى بالوالدين والأجداد عطف على ذلك الإحسان إلى الأبناء والأحفاد، فقال تعالى، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق. وذلك أنهم كانوا يقتلون أولادهم كما سولت لهم الشياطين ذلك، فكانوا يقتلون البنات خشية العار، وربما قتلوا بعض الذكور خشية الافتقار، ولهذا ورد في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود أنه سأل رسول الله (ص) أي الذنب أعظم، قال، إن تجعل لله ندا وهو خلقك. قلت، ثم أي، قال، إن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت ثم أي، قال، إن تزاني حليلة جارك. ثم تلا رسول الله (ص) الذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون. الآية. وقوله تعالى. من إملاق، قال ابن عباس وقتادة والسدي وغيره (كذا)، هو الفقر، أي لا تقتلوهم من فقركم الحاصل. وقال في سورة الإسراء: ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق، أي لا تقتلوهم خوفا من الفقر في الآجل، ولهذا قال هناك،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥٠٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥٠٠٣