لرسمنا، ولكنها تتحد جميعا في ظماها إلى الاكتشاف. في إخلاصها إلى اكتشاف (الأنا) من خلال كل تلك التهويمات اللونية على قماش اللوحات، وإذا كانت هذه الأسماء كلها على مثل هذا التضارب في الاتجاه، فإلى أي حد استطاعت أن تعكس مظاهرنا على أعمالها؟ أعتقد أن أول ما نواجه به في هذا الصدد هو تلك الهروبية المتبرئة من كل ما هو منا، صحيح أن هؤلاء يفرون منا ومنهم، لأنهم يبحثون على الخصوبة. يبحثون عن الشفافية. عن النغم الأخرس الذي يشع من خلال كل لوحة رسمية. لكن كل هذه الحركات لا يمكن بحال ـ كما يعتقدون ـ أن توجد في بلادنا، لهذا فهم يجرون خلفها، فيما وراءنا، فيما وراء البحار التي تفصلنا عن مواطن الخصوبة والثراء. وحينما أقيم ذلك المعرض الذي يجمع بين الرسامين المعاصرين في (*) باريس، وبين الرسامين المغاربة، يكاد الإنسان يجد فيه نفس الأسلوب ونفس الرشاقة في اختيار اللون، ونفس البناء في الخطوات الدراسية للوحة، ونفس الإيقاع والرجة اللذين يحدثهما الظل، وأخيرا نفس النفس الشاعري، أو الثأثري أو التجريدي عند كل من هؤلاء الرسامين الذين يجمعهم المعرض (*) وإن كانت الشكلية التعبيرية، والقدرة الخلاقة، والاستيعاب الرائع لشاعرية الموضوع، وأخيرا، عراقة الإيماء وثراء الصور، تنعكس جميعا على أعمال الآخرين، في حين نحس اضطراب الناشئ أمام رسوخ قدم المجرب ظاهرة على أعمال رسامينا.
هذه المقدمة ضرورية من أجل الحديث عن رسام مغربي، هو الآخر يقوم بمحاولات جديرة بأن تدخل في حيز التاريخ، تاريخ الرسم المعاصر في بلدنا، وضرورتها تأتي من حيث أن بناني مغربي هو الآخر وقع تحت تأثير روافد الغرب، إنه اختار لنفسه طريقا ليس من الطرق التي يجب أن نسير فيها صعدا.
إن هذا الرسام لا زال في ريعان شبابه فهو في الخامسة والعشرين من عمره، ولكن الطريف في حياته أنه درس بالقرويين بعد دراسته بكتاب حيه. ويظهر أنه بدا في هذه المرحلة من حياته في اكتشاف عالم عبثي لا مفهوم: فعصى الفقيه واللوحة المبيضة بالصلصال، وترنيمات التلاوة القرآنية اللامنسجمة، ربما كان من الممكن أن تكون عناصر أولى في تكييف شخصيته الفتية فيما بعد، فهو قد بدأ برسم دوائر ومربعات وأشكالا غامضة على جدران منزله، ولكن سنة 1954 ـ 55 كانت حاسمة في دفعه بصفة نهائية إلى الاختيار، وفي سني دراسته بالقرويين، كانت أعماله تتسم بسذاجة الناشئ وتصحيحه، ولكنها في نفس الوقت تفصح عن كبير تعلق بتقاليد ثقافة وطنية عتيقة، ظهر ذلك جليا في تمسكه بتلك الصوفية الشفافة، وبعد هذا، أتى الحريق المهول الغاشم لقيسارية العطارين بفاس، فتعلم الناس أن يصرخوا صرخات لا تقل عنفا عن أمواج البنزين التي ذهبت بالثروات الصغيرة القابعة في جوف الدكاكين الضيقة في هذا السوق، وبالطبع فقد أبو الرسام ثروته الصغيرة، وكان هذا منفذا جبارا تسلل منه الحزن إلى قلب الرسام، وكان أن عثر هذا الحزن على طاقات تعبيرية خصبة كامنة في لا شعوره.
ولم يكن من الممكن أن يعبر بناني عن هذه الصرخات بغير الريشة، إذ أنه كان قد اكتشف الألوان والموهبة واللوحة ومفعولها السحري في كل أعماقه، ولعل الرسام كان يتخيل فأسا تحت اللهب الحاقد، ولكنه حتى في هذه الرؤيا، لم يكن حالما، إذ أن عدساته كانت تمور حياة متعقلنة، حيث النحمت ألوان لم يكن من المنتظر التحامها.
وهكذا فكل لوحة من لوحاته، هي فكرة، هي انفعال يبحث عن فكرة يحاول ذهنه أن يبلورها، لأنها دائمة الحضور فيه، أبدية الانطباع والوعي، ومن هنا يتاح لها المجال لأن تنمو وتنضج بتلقائية، للتتحول فيما بعد إلى لون محسوس مجسم، ثم إن اللون بالنسبة إليه وعي لشيء، إنه يكتسح بنوع من الجدل، فيلتقي بصورة حاسمة بفضاء اللوحة.
إننا نشعر من خلال النظر إلى أعمال بناني بالمغامرة الأسيرة مع العدم واللانهائي في القماش الأبيض، هذه المغامرة تنعكس على عجلته في رسم أكثر ما يمكن من الأشياء ... فهي مبدأ لعمل مجنون يدفع بناني محمد إلى نضال ضد أناه، كما لو كان خائفا أن يفقد خيوط إلهاماته.
*) أنظر الكتيبات الثلاثة التي أعدتها البعثة الثقافية الفرنسية عن اليعقوبي، والغرباوي، والإدريسي، بقلم: Gaston Diehl. Tanaoui Mohamed. Pierre Gassi.
* ) أنظر الكتيب الذي صدر بمناسبة هذا المعرض بإشراف الحكومتين المغربية والفرنسية تحت عنوان: « Peintres Marocains de l'Ecole de Paris et Peintres marocain présentés au Maroc en avril et mai 1962.