وبناني أيضا، يخيل إلي أنه لن ينهي أية لوحة من لوحاته، لأنه لا يوقعها، وربما كان يرى أن لوحة واحدة لا يمكن بحال أن تكون لها نهاية، وفي نظره، أن دور الرسام إذا انتهى، فيجب عليه أن يعيش حياته كالآخرين، فهو ليس كعرائس لا ترقص إلا بحركة خيط إنه يريد أن يلقي إلينا بالأمة المستمرة عبر أعماله.
هذا هو الرسام في مسار تطوره، ولكنه حتى في تعاقب الاتجاهات الجمالية في الرسم واختلاط المفاهيم التأثرية في أعماله، نحس له شخصية ساذجة أحيانا، وقوية أحيانا أخرى، خفيفة الوقع تارة، وشديدة الترنيم تارة أخرى، فهو على الأقل، مخلص في أن يرسم بلون وبظل بفكرة من خالص وحيه.
وإذا كان «كاندينسكي» في كل من روسيا وألمانيا قد لعب في تجريدياته دور الرسم الطلائعي، حتى مع قيام الثورة البلشفية فإن بناني بتجريدياته أيضا لم يكن ليكون طلائعيا، إذ أن الحركات التقدمية في نقد الرسم، قد حكمت ـ وخصوصا في روسيا وفرنسا مؤخرا ـ على أن التجريد تعبير داخلي عن حالات فردية، ليس في استطاعتها أن تعكس الحالات المشاعة بين كل أفراد الشعب الواحد.
ورغم كل ذلك، فإن التعبير الداخلي للرسام لم يكن ليستعين حتى بالأشكال المشعة لثراتنا، من أجل أن يكون شيئا منا.
إننا نلاحظ فيه شيئا من ضوئية (بول كلي) في ألمانيا، وحتى نفس الفهم للتجريد الذي نجد عند (كاندنسكي).
يقول (ميشيل سوفور) في كتاب: «مغامرة الفن التجريدي» لـ (ميشيل راكون): «إن الفن التجريدي عندي، هو ما كان خاليا من أي تذكر أو حضور، يمكن أن يشير إلى الواقع المحسوس الملاحظ، وسواء لدي أكان هذا الواقع منطلق الرسام أم لا؟» كذلك بناني، إنه أبعد الإنسان عن لوحاته، وأعطى لنفسه كامل الحرية في أن يبذر في فضائها الأبيض كل خصوباته الفكرية، وهكذا، فالإنسان غائب عن أعماله، لا نحس له وجودا. ولكن الرسام نفسه يحاول أن يبرر هذا الغياب بأنه لا يحمل أي عداء للإنسان، بل هو على العكس يقدسه: إن الإنسان يختفي من أعماله كتمثيل تشخيصي، لا كقيمة إنسانية، من أجل إعطاء (الشيء) إنسانيته الكاملة فهو عوض عن غيابه بتجزئة الأشكال المرئية وإخضاعها لعدسة كشافة تظهر الفكرة إظهارا ما ورائيا. إنه يقول في تحليل لأعماله كتبه عن نفسه: «فالتحفة الفنية الموفقة هي في الواقع محاولة من أجل الوصول إلى التعبير عن كلية الإنسان، ومن ثم إلى فهم كلي للعالم». «وأرى أن ما ضاع بغياب الإنسان من أعمالي، قد ربحته في الجانب الآخر بحضور (الشيء)» ( Objet)
والرسام يرى بعد أن اقتنع بالتجريد كمذهب، أنه هو الوحيد الذي يمكنه من فهم مهمته: «إذ مهمة الفنان لن تكون شيئا آخر غير مساعدتنا على الحصول على رؤيا واسعة وعميقة للأشياء، والشعور بوحدتها، وهكذا، فبسبب هذه الرؤيا، وقف الرسام مبهوتا أمام اللون البني الحائل لروث حمار، فاكتشف أن الكويرات الروثية الصغيرة، أخذت تغلفها قشرة رهيفة بخارية شفافة أكسبتها صفاء جعله يخترق كثافتها الهشة ويتخيل المساحة البنية الندية التي ترتاح عليها القطعة الشعرية العجيبة. كانت هاته الكوريات تتزحلق تحت أرجل السابلة، فتتفتت، وهكذا تكتسي أبعادا عديدة، وحينما تفتت نهائيا، اكتسبت شكلا أرضيا جامدا.»
وأعتقد أن اقتناع الرسام بالتجريد هو اقتناع داخلي، أساسه ميراث صوفي انحدر إليه عن طريق سلالي، يؤكد هذا تلك الخطرات الحالمة، وذلك الارتفاع السامي الذي ينعكس على لوحاته التي عرضها بمعرض باب الرواح، من فاتح فبراير إلى متمه.
إننا نشعر بعروج نحو الأعلى في أعمال الرسام، بل بدعوة حارة إلى نبذ الأرضية، وهذا ما يجعل هذا الرسام يسير في اتجاه عدائي للأرض لأن لا يراها إلا من خلال السماء، من خلال أشكال ميتافيزيقية، تكاد أن تنعكس على كل الحزن الذي يطغى عمليا على ملامحه بل على خطوات ريشته.
وأخيرا. إننا نتمنى لهذا الرسام أن يستطيع عكس الطراوة التي تبلور الفكرة بشفافيتها، وتسهل مهمة انسجام الألوان، لننفذ منها إلى تذوق أعماله، فيبعث طابعه الشخصي أمامنا واضحا كما أننا نتمنى له أيضا ألا يوغل في الماورئيات حيث تتكثف أفكاره، وتتشعب، فتضيع في متاهات اللون وأبعاده، ملطخة لا تجري في عروقها حياة. وهكذا نستطيع أن نحكم على صدق عاطفته، وعلة مدى عيشه لواقع فنه.
محمد السرغيني