تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.6، ع6 /مارس 1963 .................... ص 82

آفاق فنية: الرسام محمد بناني في معرضه الأخير

للأستاذ: محمد السرغيني

إن الحديث عن أي رسام مغربي، يدفع حتما إلى الحديث عن الرسم في المغرب، لأن الرسامين مع حركة الرسم في هذا البلد، يكونون وحدة متناسقة لأنهم ناشئون أولا، ولأن رسمنا وليد ثانيا.

هناك رسم في المغرب، ولكنه ضائع يبحث نهائيا عن الاتجاه من وراء الألوان التي يريد منها أن تعطيه حياة متحركة. أن تجعله معبرا عن الرعشات الحضارية التي نعيش ثوانيها. ونعاني مخاض ولادتها، ولكن رسامينا على اختلاف نهجهم، ليسوا بقادرين على أن يسيروا غور اللون من أجل أن يكون في مستوى ما نعانيه: أن اللون بكل خفقانه لا يصل عندهم إلى هذا الحد. أنه باستثناء الطراوة التي تبلل غضونه لا يمكن أن يفصح عن حركة مجتمعنا. يضاف إلى ذلك تلك الرؤيا الشعرية التي لابد منها لكل رسم ورسام، تلك الرؤيا التي نبحث عنها من وراء الظلال، ومن وراء الخطوط، حيث يجد الرسام المجال الأوسع لإنبات شخصيته. إذ من هنا يتنبأ بالحظ في قيمه التعبيرية، أي أنه ابتداء منهما يتبع كل تطور محتمل في تاريخ حياة كل رسام.

نحن إذن، بصدد إيجاد بعث فني نجهد أنفسنا في أن يكون متألقا معبرا، موسوما بشخصيتنا ولكن اللحظات الحضارية القارة التي نعيشها، ليست قادرة على أن تزودنا بذلك الزلزال الداخلي الذي يدفعنا إلى إبداع من مستوى عالمي. إننا نعيش أنماطا من الحياة رتيبة أو متغيرة، ولكنها في مجموعها نبضات غير حية، لا يمكن بحال أن تترعرع في ظلال سمو عام لإنسانية الإنسان هنا، ومن أجل هذا، لا نخلق إلا معادا، ولا نبتكر إبداعا، إذ إننا ننفعل يزيف من خلال تأثراتنا العارمة لما نراه في مدارس الرسم في فرنسا على الخصوص. وهكذا، فنحن نعيش تجربة الآخرين بغير حرارة ولا شوق، بل نعيشها أبدا بمحاولة تكرار وتلفيق.

وهذا لا ينبغي أننا نفتقد العنصر الوجداني، ذلك العنصر الذي يحاول وبصفة تامة أن ينخرط في مآسينا، ويعيش تجربتنا البسيطة بالقدر الذي لا ينزع منها شاعريتها وراءها، هذا العنصر الوجداني، نجده ظاهرة غريبة عند بعض الذين تغذوا بليان شعارات تقليدية منذ نعومة أظفارهم من فنانينا. هؤلاء الرسامون هم بحق وارثون للرؤيا الصوفية التي نراها جلية في مناحي الحضارة بالمغرب: كالمعمار والأدب والرسم والنحث.

وإذا كان نستطيع أن نصنف كل رسامينا في مدارس معروفة في تاريخ الرسم المعاصر، لأن كل واحد منهم حر في أن يختار الطريق لنفسه، ولأن كل واحد منهم لا زال يتمسك بالتأثر الأول، فهو أسير تقليد يبعده عن أن يصل يوما إلى أسلوب شخصي، فإن هذا التضارب إن كان كفيلا بأن يخصب حقل الرسم في هذا البلد ويغرقه في شتى التيارات والاتجاهات، فهو أيضا كفيل بأن يبعده عندنا عن وحدته الهيولانية، عن طابعه الذي نحب له أن يكون منا، ساذجا مفتعلا (*) يعبر عن مشاكلنا ويفهمنا فهما جذريا، ومن ثم ينقلنا عبر خطوطه وألوانه وظلاله إلى الناس والتاريخ.

وهناك عشرات الأسماء: كالغرباوي، واليعقوبي والإدريسي، وبناني كريم، وابن الكاهية، وابن علال، إلى غير ذلك، هذه وجوه متعددة، وربما متناقضة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٩٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٩٧٨