تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن جديد يشعر الأخوان بدم قابيل يسري في عروقهما، وكانت ذكرى جريمتهما الأولى تحثهما وتدفعهما دفعا إلى ارتكاب جريمة ثانية.

واستقر عزمهما في النهاية على قتل أخيهما، ولم يترددوا في إنفاذ ما عقدا عليه النية، فاقتحما عليه ناعورة الماء ذات يوم وخنقاه فيها، ولم تمض على ذلك أيام حتى بدت جيفة طافية على ظهر الماء.

وبكى الشقيان أخاهما بدموع زائفة حتى يبعدا عنهما شكوك أهل القرية الذين لم يكن أحد منهم يكن لهما أي شعور بالود أو الصداقة، ومع ذلك لم يخل الأمر من تهامس بعض الناس هناك باتهامهما بتلك الجريمة، غير أنه لم يستطع أحد أن يقدم على ذلك الاتهام دليلا أو قرينة.

ومرة أخرى عادت أرض البرجونثالث إلى الأخوين المجرمين.

وفي صيف تلك السنة امتلأ بيتهما بالرخاء والنعمة، فقد حصدا من تلك الأرض ما كان أودعها أخوهما ميجيل من الجهد والعمل، ولكن الأرض الملعونة عادت عليهما في السنة التالية بما عودتهما من الشح والتقتير، ورجعت إلى سنتها من القحط والجفاف.

ها هو ذا الأخ الأكبر منحن علة محراثه يشق الأرض في إعياء ونصب، وهو يتوقف ليسترد أنفاسه ويجفف العرق المتصبب من جبينه، ويرجع النظر فيما شق من الأرض، فيهوله أن يرى الأرض تنطبق عليه من جديد، وتنسد الشقوق كأن لم تكن.

والأخ الأوسط قائم في الحديقة التي كانت أشجارها مثقلة بالفاكهة والثمر لم يعد فيها الآن إلا وحشي الأعشاب، وهو يعالج اجراء الماء في جداولها بفأسه، ولكنه يرى والفزع يغشى عينيه أن الأرض لا يتفجر منها الماء، وإنما ينبثق منها جدول من الدم، ويقف الفتى متهالكا على الفأس ويردد بصره في ذلك المشهد الهائل الغريب، ويتصبب العرق البارد على جبينه المحموم.

وفي اليوم التالي يجتمع الأخوان كأنهما على موعد ويتخذان طريقهما في صمت إلى البحيرة السوداء مخترقين مروج الحشائش وخمائل الصنوبر.

ويدنو على صوت مسيرهما ذئبان كانا هناك، فلا يكادان ينظران إليهما حتى يمتلئا منهما رعبا، ويوليا فرارا.

ويطلع الفتيان على صفحة البحيرة، ويعلو صياحهما:

ـ أبتاه ...

ويتردد الصدى من أغوار الصخور التي تحف البحيرة:

ـ أبتاه .. أبتاه .. أبتاه ..

ولا تكاد الصخور تصمت عن ترديد النداء حتى تكون قد التفتهما مياه البحيرة السوداء .. البحيرة التي ليس لها قاع ..

مدريد: دكتور محمود علي مكي

مدير معهد الدراسات الإسلامية بمدريد

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٩٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٩٧٧