تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على توجيه الاتهام إلى بني الرجل بقتله، فالفلاحون في العادة يخشون بأس القوي، ولم يحاول أحد أن يتحرى الأمر منقبا عن أثر القتيل في جوف البحيرة، فما كان مثل ذلك البحث ليعود بأي طائل، إذ أن البحيرة السوداء لا تعيد إلى سطح الماء ما تبتلع مياهها، بل أن أحد أولئك الباعة المتجولين الذين يهيمون في تلك الجهات خاض في ذلك الأمر وجهر بما كان الناس يتسارون به من قتل الفتيين لأبيهما الكهل، فكان نصيب البائع أن زجا به في السجن بعد أن لفقا به تهمة مصطنعة جمعا لها عددا من شهود الزور المأجورين، وانتهى الأمر إلى أن حكم عليه بالإعدام، فشنق في سجن سربة.

إن نزعات الشر في نفوس الناس متأصلة عميقة، هي أشبه ما تكون بمياه البحيرة السوداء .. ليس لها قاع ..

وماتت أم الفتيان الثلاثة بعد ذلك بشهور، ويقول الذين رأوها مسجاة على سرير الموت أنها كانت تغطي وجهها بيديها، وقد تصلبت أصابعها الباردة كأنها كانت تخشى النظر إلى مشهد هائل فظيع.

ـ 7 ـ

شمس الربيع الدافئة تشرق على الحقول الخضر، والطيور تخرج فراخها الصغار من أوكارها في أعالي الشجر تعلمها الطيران في سماء شهر مايو الصافية، والحجل تتوتب مرحة بين سنابل القمح الغضة، وشجر الحور المصطف على جانبي الطريق وعلى ضعاف النهر قد ضرب لونه إلى الخضرة، وأشجار البرقوق قد انتشرت فيها الأزهار البيضاء.

وأرض البرجونثالث كأنها تبتسم لصاحبيها الجديدين اللذين ورتاها عن أبيهما الصريع، فالشجر والنبات يبشر فيها بمحصول وافر وخير كثير.

وأقبل الصيف، وكان عاما مخصبا فاض خيره على الشقيين، وألهتهما النعمة الجديدة عن ذكر جريمتهما، فالخطايا لا تثقل ضمير مرتكبها إلا إذا خشى عقاب الله أو الناس، فإذا كان من ذلك بمأمن وإذا ابتسم له الحظ فإنه يأكل خبزه في رضا كأنما هو خير أودعه الله كل بركته.

ولكن الشره إذا كان له في العادة مخالب تعرف كيف تسطو وتنهش، فإن يده عاجزة خرقاء لا تعمل، وقد مضى العام الأول بخيره ونعمته، فتمتع بع ابنا البرجونثالث ما وسعهما المتاع، ولكن الصيف التالي لم يكد يقبل حتى تبدلت الحال، وبدت الأرض كما لو عادت عابسة مقطبة في وجهي صاحبيها، فحقول القمح كان بها من الزنابق البيض والأعشاب أكثر مما كانا يؤملان أن يريا فيها من السنابل الشقر، أما الفاكهة فقد قتلها الصقيع وهي بعد غصة لينة، وعشرات الماشية ورؤوس الغنم كانت تتناثر جنتها الميتة بين يوم وآخر دون أن يعرف أحد لذلك سببا إلا ما كان يتردد على ألسنة الناس من أن ساحرة نفثت فيها رقية أو ألقت عليها دعوة مستجابة.

ومضى ذلك العام، وأتى الذي يليه، فكان أسوأ وأنكد: لقد أصابت اللعنة تلك الحقول، وكلما تضاءلت ثروة ابني البرجونثالث تزايد الشقاق بين امرأتيهما حتى كانتا لا تكفان عن النزاع والخصام، وولدت كل منهما ولدين، ولكن الحياة لم تقدر لهذه الذرية، فقد سممت الكراهية لبن أميهما، فقضى على الأطفال بالموت، وهم بعد في سن الرضاع ..

ـ 8 ـ

كانت ليلة من ليالي الشتاء الباردة، وابنا البرجونثالث وامرأتاهما ملتفون حول الموقد الذي كانت جمراته الخامدة تلفظ آخر أنفسها، ولم يكن لديهم حطب يشعلونه ولا كان بوسعهم في تلك الساعة أن يخرجوا لاقتطاعه، وكانت الريح القارسة تتسلل من خلال ثقوب الأبواب والشرع وتصب سياطها الباردة على جلود الحاضرين، وكانت مسامعهم تسنك بحفيف الريح في داخل المدخنة ويتهاوى الثلج الذي تتقاذفه أعاصير الجليد في الخارج، وكانوا ينظرون في انكسار وصمت إلى جمرات الموقد المحتضرة.

وبينما هم كذلك إذ تعالت طرقات على باب الدار .. ويصيب الحاضرين ذعر مفاجئ، ويتوجه الأكبر إلى أخيه فيقول:

ـ ترى من الطارق علينا في مثل هذه الساعة؟ قم فانظر من ذا يكون؟

ولكن الجميع يظلون مشدودين إلى مقاعدهم دون أن يجرأ أحدهم على فتح باب الدار. وتتردد الطرقات على الباب:

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٩٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٩٧٤