ويمضي البرجونثالث في حمله الطويل المتثاقل، وهو مضطجع بين يدي العين التي ينبجس منها الماء، وكانت الشمس قد غابت وطواها الأفق، وبدا المرج وقد حفته زرقة قائمة، ولكن الظلام المتراكب لا يلبت أن تنفذ فيه أشعة هادئة، ويطل من أقصى الأفق قمر هائل ناصع البياض.
البرجونثالث ما زال مخلدا إلى غفوته، وماء العين تنحدر من الصخر الأصم، وله خرير رتيب متتابع كأنه بعيد على المسامع قصة حزينة قديمة: قصة الجريمة في الحقل .. جريمة كل يوم.
ـ 5 ـ
ولدا البرجونثالث يتخذان طريقهما إلى حيث كان أبوهما راقدا بجوار العين التي يتفجر منها الماء وهما يسيران في صمت، وظلهما يسبقهما في ضوء القمر الباهت مستطيلا ممتدا على المرج كأنه شبح أسود، وعلى جبين البرجونثالث سحابة مظلمة تضطرب بين حاجبيه كأنها أثر خلفته فاس ماضية أعملها ضاربها في جدع شجرة.
ويحس الرجل وهو ماض في حلمه الطويل كان ابنيه يتقدمان لقتله، ويفيق من نومه في تثاقل ليرى كيف يتحول الحلم إلى حقيقة ..
ميتة بشعة تلك التي أوقعها ابنا السوء بأبيهما الكهل وهو إلى جوار العين التي يعول منها الماء، ميتة بشعة كفلتها لهما ضربة فأس مزقت عنق الرجل وأربع طعنات بالسكين في صدره، الفأس التي أورثها البرجونثالث ولديه والتي طالما كسر بها حطب موقده واستعان بها على بث الدفء في بيته هي عينها التي أجنز بها ابناه عنقه الغليظ الممتلئ، والسكين التي طالما أعملها الأب البر في قسمة الخبز على بنيه والمجتمعين على مائدته هي ذاتها التي غاصت في ذلك القلب النبيل، لقد كان البرجونثالث أبا عطوفا على بنيه وجارا كريما يعم بالبر كل من نزل به أو اعتفى معروفه، وحق له أن يبكيه كل من ألم به من طارق وابن سبيل.
ويتلبث ولدا البرجونثالث قليلا لا يعرفان ما يفعلان بجسد أبيهما الميت، وأخيرا يجرانه إلى مستنقع هناك، ثم يمضيان به إلى واد مظلم تحف به الحشائش المثكاتفة وأشجار الصنوبر المتراكبة، ثم يحملانه إلى البحيرة السوداء .. بحيرة ليس لها قاع يحيط بها سور عال من الصخور الرمادية الضاربة إلى الخضرة، وعلى قمم تلك الصخور مرابض للصقور والعقبان، ولم يكن أحد من أهل هذه الجهات ليجرؤ على الاقتراب من تلك البحيرة المظلمة الموحشة حتى في أشد أيام العام إشراقا وصفاء ..
ويربط فتيا السوء إلى قدمي أبيهما حجرا ثقيلا ثم يرسلان به ينحدر على جنبات الصخور إلى قاع البحيرة .. البحيرة التي ليس لها قاع ..
ويعود ابنا البرجونثالث عبر الوادي المظلم إلى حيث المستنقع آخذين سبيلهما بين الحشائش المتكاثفة، وأشجار الصنوبر المتراكبة، وكان لماء المستنقع هدير واصطخاب، ولكنهما يمضيان في صمت، وفي ءاذانهما وقر من هدير الماء واصطخابه.
ويحس بهما في الغابة ذئبان جائعان كانا يبحثان عن صيد، فلا يكاد الذئبان يطلعان عليهما حتى يمتلئا منهما رعبا ويوليا فرارا .. ويمضي الفتيان في طريقهما ويهمان بعبور النهر، فإذا بمجرى النهر يتحسر عنه الماء ويتخذ له مسربا آخر، ويخترقان الغابة، فإذا بالشجر والحشائش والصخور تنحاز عن طريقهما وتفسح لهما كأنما تتجنب أن تحتك بهما ثياب القاتلين الراهبين .. قاتلي أبيهما.
ودنا الفتيان مع العين التي كان أبوهما مضطجعا إلى جوارها، وكان الماء المنبثق منها مازال يرجع تلك القصة الحزينة القديمة، ولكنها لم تكد تسمع وطأ أقدامهما حتى كف الماء عن الخرير، وانقطع الحديث الحزين، ومازالت العين صامتة ساكنة حتى ابتعد عنها الفتيان وطواهما الظلام، وهناك عاد الماء إلى الخرير، ووصل ما كان قطعه من الحديث الحزين المعاد.
ـ 6 ـ
وهكذا ورث ولدا السوء عن أبيهما ما خلف ثروة ومال في ذلك اليوم من أيام الخريف، ورثا الكهل الصريع الذي خرج في صباح ذلك اليوم ولم يعد.
وفي اليوم التالي عثر بعض أهل القرية على أزار البرجونثالث إلى جوار العين، وعلى خيط من الدماء متوجه إلى المستنقع، غير أنه لم يجرؤ أحد