ـ افتحوا. أنا أخوكم ..
ويهتف الجميع في صوت واحد:
ـ إنه ميجيل، لنفتح له.
وما فتحوا الباب حتى بدا لهم شخص ميجيل أصغر أبناء البرجونثالث وقد التف في عباءة ثقيلة قد غطته طبقة سميكة من ذرات الثلج البيضاء.
وعانق ميجيل أخويه ثم جلس أمام الموقد، وسادت فترة ضمت طويلة، وكانت الدموع تترقرق في عيني ميجيل، وأخوه يتجنبان التقاء نظره بنظرهما لقد غادر ميجيل هذه الدار وهو ما زال صبيا بعد، وهو يعود الآن إليها من بلاد المهجر بعد أن أصاب ثروة واسعة، وكان قد بلغه خبر موت أبيه وأمه، إلا أنه ما كان ليتطرق إليه الشك في أخويه.
وعلى الضوء الهزيل الخافت الذي كان ينبعث من جمرات الموقد الميتة بدت صورة ميجيل ومعالم وجهه .. كانت بشرته السمراء قد ازدادت سمرة بما لوحتها شمس أمريكا المحرقة، وقسمات وجهه النحيف الصلبة قد أيبسها العمل المتواصل: سمة تطبعها أرض المهجر دائما على وجوه من يستقرون فيها باذلين من الجهد ما يكتسبون به مالا وثروة، ولكن عينيه الكبيرتين كان يلمع فيهما بريق الشباب، وقد تهدلت على جبينه العريض المشدود خصل رقيقة من القسطلي، كان ميجيل أجمل إخوته مظهرا وأكثرهم وسامة، فقد كان بعيب وجه الأكبر حاجبان غليظان يرسمان خطا كثيفا من الشعر يخترق جبينيه فوق عينيه، وأما الأوسط فقد زادته ذمامة عيناه الصغيرتان اللتان تلتمعان ببريق قلق ينم على الجبن والمكر والقسوة.
وظل ميجيل صامتا ساهما بينما كان أخواه يحدان النظر إلى صدره الذي توهجت عليه سلسلة غليظة من خالص الذهب .. وقطع الأكبر حبل الصمت العميق:
ـ أتنوي الحياة معنا هنا؟
وأجاب ميجيل:
ـ ذلك إذا شئتم .. سيصل متاعي غدا.
وتمتم الأخ الأوسط في لهجة لا تخلو من الحقد
هذا هو شأن الدنيا، يبتسم الحظ لقوم فيمضون صعدا إلى الجاه والثروة، ويعبس لآخرين فينحدرون إلى حضيض الفقر والحاجة، ولك في أمرنا عبرة: تعود أنت مثقلا بالذهب، ونحن كما ترى لا نملك حتى قليلا من الحطب نستدفئ به.
وكانت الريح في الخارج تكاد تقتلع الأبواب والنوافذ، وصفيرها يدوي في المدخنة كأنه رغد قطيع من الذئاب، وكان البرد ينفذ إلى العظام فتسري إليها رعدة قاتلة.
وكان ميجيل يهم بالكلام حينما قطعت عليه الحديث طرقات متتابعة على الباب، ونظر الفتى إلى أخويه كأنه يسألهم عمن يمكن أن يكون في مثل تلك الساعة المتأخرة، أما هذان فقد كانا يتبادلان النظر وقد استولى عليها الذعر والفزع.
وتكررت الطرقات على الباب، فقام ميجيل وفتح ولم يكن هناك أحد .. لم ير الفتى إلا فراغ الليلة المظلم، وصكت وجهه موجة من الهواء البارد ألقت على وجهه رذاذا متناثرا من الثلج .. لم ير ميجيل أحدا، ولكن بدا له كأن شيخا يختفي بعيدا في الظلام تحت ذرات الثلج البيضاء المتساقطة.
وهم ميجيل بإغلاق الباب والعودة إلى حيث كان، ولكنه لم يكد يفعل حتى لمحت عيناه فجأة على عتبة الباب كومة من الحطب بين قدميه، وفي هذه اللحظة اشتعلت في البرجونثالث نار متوهجة لم تشتعل قبل ذلك أبدا في الموقد الخامد الجمرات.
ـ 9 ـ
كان ميجيل قد عاد من بلاد المهجر ذا وقر وثروة، وإن لم تكن بقدر ما صور لأخويه شرههما وشهوتهما إلى المال، وعزم الفتى على أن يستقر في تلك القرية حيث رأت عيناه النور لأول مرة، ولكنه كان يعلم أن الأرض التي كانت لأبيه قد ءالت كلها إلى أخويه، وهكذا عرض على هذين أن يشتري قطعة من أرضهما ناقدا إياهما ثمنا لم تكن تساويه، وقبل الأخوان، وتمت المبايعة، وبدأ ميجيل في فلاحة الأرض التي حلت عليها اللعنة.