تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حدثت أزمة داخلية في فارس (إيران) ـ قامت حركة ثورية بتحريض من أصحاب الأفكار «الغربية» للتنديد بالأساليب التعسفية التي تنهجها الحكومة كان من شأنها أن أرهقت مالية الدولة، وبالتالي منحت فرصا جديدة للمساعي المتضاربة التي تبذلها الدولتان الأوربيتان. إلا أن هذا التطاحن قد سوي في غشت 1907 بحل وسط إلا وهو تقسيم فارس إلى منطقتي نفوذ اقتصادي، منطقة روسية في الشمال وأخرى إنجليزية في الجنوب الشرقي. أما ما بينهما فمنطقة «محايدة».

وفي آسيا الصغرى أخذت الهيئات المالية الإنجليزية والألمانية والفرنسية تسعى منذ سنة 1890 في الحصول على امتيازات مد السكك الحديدية، والحقيقية أن ألمانيا هي التي حازت قصب السبق في هذا الميدان: فقد حصل المصرف Deutsehe Bnnk بمساندة من حكومة برلين، على امتياز هام من الحكومة العثمانية وكان ذلك سنة 1903. وهذا الامتياز عبارة عن شبكة واسعة من السكك الحديدية في الجزء الأكبر من الأناضول وبلاد الرافدين (دجلة والفرات). وكان شريانها هو الخط الحديدي الرابط بين البوسفور وبغداد، ومن هذه إلى الخليج (الفارسي). فلقد فسح هذا العقد مجالات واسعة من الناحية الاقتصادية أمام ألمانيا، وكذا الشأن فيما يرجع للناحية السياسية فهو ينطوي على تهديد للمصالح المالية الفرنسية ـ حيث أن القسط الأوفر من إسناد الدين العثماني كان في أياد فرنسية ـ بل وأدهى من ذلك مصالح كل من بريطانيا العظمى وروسيا: كانت بريطانيا العظمى تخشى أن تفقد ذلك الموقف المهيمن الذي كان لها من الوجهة الاقتصادية في بلاد الرافدين منذ قرنين من الزمان إذ كانت ترى بوجه خاص أن الخط الحديد سيعرض سلامة الهند للخطر إن هو امتد حتى الخليج (الفارسي) أما روسيا فكانت ترى في هذه الشبكة الحديدية وسيلة من وسائل تعزيز الدولة العثمانية، أعني أن الشبكة سوف تسهل على هذه الدولة نقل قواتها المسلحة إلى جميع أطراف الإمبراطورية. إلا أن «مسألة خط حديد بغداد» لم تؤد في أي وقت من الأوقات إلى نزاع حاد بين الدول العظمى. ولم تبرز مقاومة المشروع إلا في الحقل المالي: فقد أقفلت كل من فرنسا وبريطانيا العظمى وروسيا أسواقها المالية في وجه القروض التي أرادت أن تجربها الشركة الألمانية، وقد نجحوا حينا من الدهر في تأخير إنشاء السكة الحديدية لكنهم لم يتوصلوا قط إلى إحباط المشروع من أساسه.

وفي إفريقيا الشرقية ظلت إثيوبيا (الحبشة) التي حافظت على استقلالها في سنة 1896 عند ما حاولت إيطاليا غزوها، ظلت خاضعة لضغط المصالح الأجنبية. فقد حصلت فرنسا على امتياز مد سكة حديدية من دجيبوتي إلى إديس أبابا ثم أخذت تسعى في احتلال مكانة بارزة في الحياة الاقتصادية. وكانت بريطانيا العظمى تراقب هذا العمل وتعاكسه إذ كانت لا تريد على الأقل أن يقع الجزء الشرقي من البلاد، ـ منطقة بحيرة تانا والنيل الأزرق ـ في قبضة دولة عظمى أخرى، «وقد وقفت نفس الموقف إزاء إيطاليا التي أرادت أن تستأنف جهودها في التوسع دون اللجوء إلى استعمال وسائل العنف. وفي سنة 1906 توصلت الدول الثلاث إلى حل وسط وهو تقسيم إيثيوبيا إلى مناطق نفوذ اقتصادي.

والمسألة المغربية دون سواها هي التي كادت أن تعرض السلام العالمي للخطر فكيف كان ذلك؟ لقد كانت مشاريع الاستغلال الاقتصادي من الأهمية بمكان، ولم تظهر هذه الأهمية لكون المغرب الأقصى فحسب يملك موارد معدنية خصوصا في منطقة الريف وإنما لكون «تجديد» البلاد سيتيح فرضا أمام مشاريع إنشاء السكك الحديدية أو تجهيز الموانئ. ولم يكن الشواغل الدفاعية ـ رقابة الطرق البحرية الكبرى ـ أهمية أقل ما دام للمغرب واجهتان، إحداهما على البحر الأبيض المتوسط وثانيهما على المحيط الأطلسي: فالمسألة إذن تتعلق بحرية المرور في مضيق جبل طارق وبحرية الاتجار على طول الطريق البحرية الرابطة بين أوروبا وبين رأس الرجاء الصالح. يضاف إلى هذه العوامل شاغل خاص بفرنسا وهو تأمين سلامة الجزائر باحتلال مجموع أقطار المغرب، فإن لم تفعل فقد تأتى دولة عظمى أخرى وتقوم بنفس العمل.

أما وأن فرنسا قد أخذت، في التسرب إلى المغرب الأقصى، زمام المبادرة فهذا مالا يدعو إلى الاستغراب. حقا أن جول فيري في سنة 1884 كان قد رغب عن إقحام السياسة الفرنسية في مسألة قد تكون أهميتها الدولية من الخطورة بمكان. إلا أن الحزب الاستعماري في سنة 1902 أصبح يدعو إلى القيام بهذا العمل. ونادى بذلك من على منصة «مجلس النواب» زعيمه أوجين إيتيين Engène Etienne كانت الأساليب التي اتبعت للتغلغل في المغرب الأقصى أساليب اتباعية (كلاسيكية): كتقديم الموارد المالية التي يحتاجها السلطان لتنظيم إدارة دولته وإرسال مدربين عسكريين لجيشه، حيث أن بعض القبائل

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٩٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٩٥٦