المغربية كانت تشق عصا الطاعة. وقد اصطدمت هذه السياسة ببريطانيا العظمى التي لم يغب عنها ما ستجنيه حاضرا ومستقبلا من فوائد تجارية في الدولة المغربية، سيما وأنها كانت تتهم على الخصوص بالمحافظة على الطرق البحرية، وهددت هذه السياسة كذلك مصالح إسبانيا، فهذه تملك منذ القرن السادس عشر ما نسميه (بالحصون) على الضفة الشمالية المغربية، وأثارت هذه السياسة كذلك خنق ألمانيا التي أرادت، وقد أتت متأخرة جدا في تقسيم العالم، إن لا يسوى خارجا عنها مصير «بلاد بكر» لا زالت بعد محتفظة باستقلالها. وقد حصل ديلكاسيه (*) بواسطة اتفاقات 8 أبريل 1904 على تخلي انكلترا عن كل عمل في المغرب مقابل تخلي فرنسا عن كل ادعاء في مصر، ثم تخلى لإسبانيا في أكتوبر 1904 عن جزء بسيط من المغرب، إلا أنه كان على إقصاء ألمانيا من الميدان. وقد صرح بذلك تصريحا لا غبار عليه، منذ بداية المفاوضات مع انجلترا وإسبانيا، قال: حيث أن الامبراطورية الألمانية لا مصالح لها في المغرب الأقصى «فإن الحكومة الفرنسية ترغب في إقصائها».
ولم تبرز السياسة الألمانية في الميدان إلا في مارس 1905. ذلك أن الزيارة التي قام بها غليوم الثاني لطنجة حيث نصب نفسه حاميا لاستقلال المغرب الأقصى، فسحت المجال لحدوث أزمة دولية ظلت أزيد من سنة مستعرة الأوار. كانت الحكومة الألمانية تتحدث في البدء عن المطالبة بحظها من المغرب، وما لبثت أن تخلت عن هذا الحل، ثم إنها أبعدت كذلك كل الاحتمال للتخلي مقابل عوض. إن البرنامج الذي أخذت به ألمانيا هو «تدويل» القضية المغربية. قال بولوف Bûlow الوزير الأول الألماني: «إنني أرى أن لا مندوحة من عقد مؤتمر دولي، فهذا المؤتمر سوف يمنع فرنسا من أن تنفرد ببسط سيطرتها على المغرب الأقصى». وعلى الرغم من نظرية رئيس أركان الحرب، فإن الحكومة الألمانية لم تكن عازمة على الذهاب إلى إعلان الحرب، بيد أن الديبلوماسية الألمانية قد لجأت إلى وسائل التهديد والوعيد، وقصدها من ذلك إنما هو إرغام الحكومة الفرنسية على قبول عقد المؤتمر: فقد ضغطت على الرأي العام الفرنسي «وزرعت الرعب في قلبه»، مستغلة الخلافات التي وقعت بين رئيس مجلس الوزراء روفييه Rouvier وبين وزير الشؤون الخارجية ولم يصادف هذا الضغط نجاحا في الرأي العام والبرلمان فحسب وإنما تعداه إلى كبار الموظفين في وزارة الشؤون الخارجية. ففي 6 يونيه 1905 قدم ديلكاسه استقالته بضغط مباشر من ألمانيا، فمت كان من روفييه إلا أن أذعن لفكرة المؤتمر.
إلا أن هذا التدويل الذي أصاب القضية لمغربية كان بعيدا من أن يحقق للسياسة الألمانية ما كانت تصبوا إليه من مطامح. فعند ما التأم عقد المؤتمر الدولي في الجزيرة (*) من يناير إلى أبريل 1906 كانت وجهة النظر الفرنسية مدعمة من جانب بريطانيا العظمى وروسيا وإيطاليا وحتى من قبل الولايات المتحدة. وإذا كان عقد الجزيرة قد أعلن أن المغرب الأقصى دولة مستقلة، إلا أنه خول لفرنسا الأداة التي ستمكنها من القيام بعملها السياسي، أي السماح لها ولإسبانيا كذلك بحق تنظيم الشرطة في الموانئ المغربية، غير أن إسبانيا في هذه الآونة ـ وهذا ما لاحظه بولوف نفسه ـ كانت تحتل بالطبع مكانة «التابع». ومع هذا فقد احتفظت السياسة الألمانية برهينة سوف تتمكن بواسطتها من التأثير على السياسة الفرنسية كلما كان هنالك خرق للميثاق.
وهكذا ففي الوقت الذي سويت فيه النزاعات بين إيطاليا وفرنسا، وبين بريطانيا العظمى وفرنسا، وفي الوقت الذي أتاحت فيه التسوية، بالنسبة للعلاقات بين الدول وبالنسبة لأوروبا ذاتها، فرصا جديدة للتفاهم، في هذا الوقت أتت الامبراطورية الألمانية وأكدت بنهجها لهذه السياسة في آسيا الصغرى والمغرب الأقصى، إرادتها في الحصول بخصوص تقسيم العالم على مكانة تتناسب وطاقتها الاقتصادية وقوتها الحربية.
(يتبع)
مكناس: عبد الحق بنيس
* وزير الشؤون الخارجية الفرنسية آنذاك (المترجم).
* تعرف بالجزيرة الخضراء في المؤلفات العربية. وتقع جنوب إسبانيا (المترجم).