تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهل نحن الآن نتوفر على هذه الروح الثورية القوية في معالجة شؤوننا القومية الخطيرة كمشكل التعريب؟ إننا عرب ومسلمون، ولكننا من مسلمي وعرب القرن الرابع عشر الهجري، والفرق الزمني له دخله الكبير في هذا الموضوع. فالمشكل الحقيقي الآن هو مشكل بناء الدولة الحديثة: فنحن نهدف إلى دولة قوية بالعلم والمعرفة، ولم نعد نهتم بروح العقيدة أو الأساس القومي الذي تقوم عليه. فالحركات السياسية عندنا تهدف إلى تحقيق ما يكفل فقط تقليد حضارة الغرب. وفي نفس الوقت نتجاهل أمرا هاما في قضية التطور بالنسبة للغات، ذلك أننا نطالب اللغة أن تكون دائما في موقف الغازي، أو القوي الدي يتقبل كل شيء بسرعة. لكن الواقع هو أن اللغة، تعتبر أهم مظهر اجتماعي لذى الشعب الذي يتكلمها. ولذلك فهي تخضع للتطورات الحضارية التي تعتري ذلك الشعب. وعندما واجهت اللغة العربية قديما، في عهد الأمويين، مشكلة التعريب لم يشعر العرب أبدا بأن هذه اللغة ستعجز عن تقبل الجديد، بل كانت هناك حاجة اجتماعية لتوسيع دائرة هذه اللغة بتلقيحها بالفكر الأجنبي، واللغات الإنسانية كلها مر عليها هذا الطور من التلقيح، وإذا كان بعض هذه اللغات المتحضرة قديما قد عجزت عن مواصلة السير، كاللاتينية مثلا، فإن المشكل بالنسبة لها مشكل انقسامات فروع منها وتباعدها تباعدا كبيرا، أما العربية فقد استطاعت أن تقهر جميع محاولات التجزئة أو الانفصال على الرغم من تعدد هاته المحاولات في القرن الماضي وفي بداية القرن الحالي أيضا، عندما ظهرت فكرة الاكتفاء بالعاميات في البلاد العربية، أو فكرة الأخذ بالأحرف اللاتينية نهائيا لأن بها حركات عديدة مكتوبة ومحددة للحركات الصوتية، أو غير ذلك من الدعوات التي ظهرت في العالم العربي على لسان المرددين لأفكار الغرب من الممسوخين الذين شعروا بالبأس والعجز عن التطور.

إن التطور لا يتوقف، وليس هناك شعب في الأرض لا يتوفر على إمكانيات خصبة لمواصلة تطوره في طريق مستقيم، ولكن قصيري النظر من أبناء الشعوب الناهضة كثيرا ما يعرضون حلولا منحرفة أو غير ناضجة.

إذا، فالخلاصة الأولية من هذا الحديث هي أن هناك فوارق بيننا وبين عرب العهد الأموي، وليست هذه الفوارق في صفاء العرق العربي أو عدم صفائه، فالحضارات الحديثة أو القديمة لا تقوم على صفاء العروق وحياة اللغة لا تطول أيضا بصفاء العرق بل إنها فقط تخضع في حياتها وتطورها للعوامل الجغرافية وحركات الغزو من الخارج، إنما هذه الفوارق تكمن فيما يلي:

1) اختلاف نفسية العربي، نفسية الكائن الحي فنحن الأشخاص المتحركون تلقي علينا مشكلة ومسؤولية إنجاز المشاريع الحيوية مثل التعريب، وقد كانت نفسية العرب الأولين قاهرة شديدة الإيمان.

2) والذي يعوزنا اليوم هو الإيمان الصحيح بجدوى وقوة العربية كلغة، يجب أن نؤمن بإمكانية قيامها في وجه اللغات الأخرى وأدائها لواجب التحضير: أي تقبل الفكر الأجنبي وهضمه وإنتاج ما يعادله، ولكن كيف يكون ذلك؟

مما لا شك فيه أن العربية دخلت عهدا جديدا منذ منتصف القرن الماضي، ولكن قليلين من مثقفينا هم الذين يعرفون ذلك، ولا سيما في المغرب العربي، أولائك الذين يطلعون على المكتبة العربية. ولا أريد أن أقول أن هناك اختراعات وأفكارا جديدة في الحضارة وجدت في العربية، وأنشأها عرب، ولكني أقصد أن العربية الآن في طور التلقي من الخارج، في عهد الترجمة، ومحاولة هضم الحضارة الحديثة، وهذا الهضم نفسه لا يمكن إلا إذا وجد القراء بعد الكتاب والمترجمين، والمكتبة العربية الآن غنية إذا ما قورنت يغيرها، لأمراء في ذلك.

ومن جهة بسيكولوجية نجد أن الشخص المتخلف أو المسود يتطلع دائما إلى ما يقوله السيد، خطأ أو صوابا، ويحتقر كل ما يقوله أخوه، هذه فكرة بسيطة طبعا نلاحظها في كل ميدان، ولكنها تبدو بوضوح في هذا الميدان الثقافي أكثر من غيره.

ولذلك فنحن في حاجة إلى الإيمان بالنفس في كل ميدان، الإيمان الثوري الذي يعرف الشخص فيه أنه ضعيف، ولغته ضعيفة، وإمكانياته غير كاملة، ومع ذلك يجب عليه أن ينهض، يجب أن يقدم لولده ما عنده ويرشده إلى مواضع الضعف ليكسب ذلك الشيء قوة.

والأمر الذي ينطبق على الناحية الثقافية بمعناها الواسع ينطبق أيضا على الإدارة مثلا، والمدرسة، والنادي، وغيرها من مظاهر حياتنا الاجتماعية، وإني هنا أكتفي بالناحية الإدارية من مشكلة التعريب، ثم أعالج أسبابها العامة بإيجاز، والحل الممكن كما يتطلبه الواقع العملي.

الرباط: رشيد نجار

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٩٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٩٥٤