دعوة الحق، س.6، ع6 /مارس 1963 .................... ص 57
التعريب مشكلة حضارية
للأستاذ: رشيد نجار
لقد مرت على هذه الدول المتخلفة والتي كتب عليها أن ترى الظلمات تتكاثف في سمائها بفصل أولئك الأوربيين الذين كانوا لا يزالون يحملون النور، نور الحضارة والعلم، مر على هذه البلاد المتأخرة عدة تجارب ومحن جعلتها هدفا للمشاكل والمعضلات التي يعسر حلها إلا بمرور الزمن وتوافر العزائم والروح البناءة.
والعالم العربي ينتمي للعالم الثالث أو البلاد المتخلفة، ذلك أنه أصاب حظا وافرا من ظلمات الغرب، واستعمار الأجنبي لمقدرات أرضه وسيطرته على إمكانياته المادية والروحية لمدة عقود من السنين.
هذا واقع لا مراء فيه.
وهو واقع قد جر إلى نتائج معروفة، وهي الآن محل أبحاث وكتابات عديدة ظهرت مؤخرا في لغات عديدة وعرفت بأبحاث «حول العالم المتخلف» أو «العالم الثالث» ـ، لكن هذه الأبحاث في الضالب تبدو ذات طابع اقتصادي أكثر منها اجتماعي أو ثقافي.
ولكن الواقع هو أن الأساس الأول لمشاكلنا يكمن في الثقافة قبل كل شيء، ولا سيما في العالم العربي، ذلك أن هذا العالم الأخير، قد شملته موجة التأخر بعد أن كان مركز حضارة إنسانية شامخة، والحضارة ليست في أساسها إلا اجتماع وملتقى لمختلف الثقافات تنطبع بطابع ذلك الشعب التي امتزجت بروحه وانصهرت في لغته وتقاليده، فالحضارة الإسلامية كانت حضارة عربية قد سيطرت فيها لغة الضاد على جميع المظاهر الاجتماعية لحياة المسلمين الذين دخلوا هذا الدين من جميع الأجناس في العالم القديم شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.
وإذا ما أردنا اليوم أن نبحث في مشكل التعريب، وأفضل أن اسميه مشكل إنشاء تمدن أو حضارة عربية حديثة، فعلينا أولا أن نستعرض التجربة الأولى التي واجهها المسلمون الأولون، في العصر الأموي، ثم مقارنة إمكانياتنا بإمكانياتهم، وأخيرا يجب استعراض العراقيل التي تقف أمامنا، ونختم بتلمس الحل الصحيح والواقعي للمشكل، مشكل التعريب في بلاد العرب.
ولكن قبل ذلك، يجب أن نتساءل عما إذا كان يصح أن نقارن حالنا بحال العرب الأول في هذا الباب؟
وهل تصح المقارنة بالتالي لحالنا بحالهم مع فوارق الزمن الطويل، واختلاف نوع المشاكل، ونوع التقدم واختلاف وسيكولوجية الكائن الحي نفسه؟.
الواقع أن هذه الفوارق موجودة بالفعل: ولعل في هذه الفوارق يكمن الجزء الهام من الجواب على مدى إمكانية نجاح حملات التعريب: ذلك أن الفرق الجوهري هو المتعلق بنفسية الجماعات:
فالعرب الأولون كانت بهم حاجة ملحة أكيدة للتعريب: تعريب الإدارة أولا، وتعريب العلوم والاقتصاد ثانيا، وتعريب الفلسفات، وأخيرا تعريب الأجناس الأخرى التي انهالت، هي الأخرى، على الثقافة العربية والثقافة الإسلامية المعربة تعرف منها ما شاءت، وتعمل على نشرها وتوسيع آفاقها ما استطاعت وهكذا كان التعريب بالنسبة للعرب الأولين، ولا سيما في العهد الأموي ابتداء من عهد عبد الملك بن مروان ثم من بعده من الخلفاء البناة كالوليد بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، ثم هشام، كان التعريب بالنسبة لهم حاجة اجتماعية، وكانت لهم الرغبة الصادقة في ذلك، لأن المشكلة تتعلق بالكرامة قبل كل شيء: فقد أصبحت الدولة لها كيان عالمي، ولها صبغتها الرسمية، واستقرارها الكافي للتفكير في مثل هذه الشؤون الخطيرة.