وحده ويكتفي بسماعه. وللموال بعد هذا قصة تحكي ميلاده ونشأته. ففي كتب الأدب والتاريخ أن الرشيد حين حذر الشعراء من رثاء البرامكة أثر النكبة التي أنزل بهم. لجأ الناس إلى الشعر العامي يعبرون به عما يكنون نجوهم. وفي هذه الكتب كذلك أن جارية جعفر البرمكي رثته بقصيدة كانت تردد أثر كل بيت منها «وأموالياه» وإن هذا كان سبب تسمية هذا الفن بالموال وربما بداية ظهوره.
وتصل أخيرا إلى المرددات وهي تلك المقطوعات القصيرة التي قد لا تتعدى الشطرين والثلاثة والتي تؤلفها الجماهير وترددها في مختلف المناسبات. وقد كنا نود إلحاقها بالأشعار لولا أنها لم تسرق بعد إلى مرتبتها شكلا ومضمونا. والمناسبات أكثر من أن تحصي عددا، ومع ذلك فمن الممكن حصر أهمها كالأفراح والمآتم والوطنيات.
ففي الأفراح تدخل المواسم والأعياد والأعراس وغيرها من المناسبات الخاصة. ولكل منها لون أو ألوان من المرددات تتغنى بها الجماعة طربا وحبورا. وهذه مطالع بعض المرددات الخاصة بالأفراح:
موسم شعبانة: اللا منانة
أجي تكوني بنتي
ونديرو شعبانة
بالخوخ والرمانة
والساقية تسقيني
شهر رمضان المعظم: عودة أكلت رمضان
بالخوخ والرمان
الأعراس: أداها وداها والله ما خلاها
أداها وداها وداها سيد الرجال
وفي المآتم وخاصة لدى البوادي تجلس النادبات يبكين الفقيد ويعددن محاسنه وما ستصبح عليه الأسرة بدونه. وقد تمثل هذا اللون في الأغنية الحزينة التي أذيعت أثر موت المغفور له محمد الخامس والتي أولها:
ما شاء الله أسيدي يوسف الحبيب
أما الوطنيات فتتمثل في تلك العبارات والأهازيج التي كان يرددها الناس في أيام الكفاح وعند إعلان الاستقلال والتي كانت صدى لمعركة التحرير كقولهم تمجيدا للدار البيضاء التي كانت مركز الفداء:
تساريت كل البلدان
بحال كازا ما كان
تم اولاد الوطن
يحضر ويجود الله
أو كقولهم تهكما على العميل ابن عرفة:
اللا هنية
جانا الملك بلا نوية
ما بين الصبح والعشية
وكقولهم فرحا ببزوغ فجر الاستقلال وحثا على العمل ببناء هذا الاستقلال والمحافظة عليه:
أيها الرجال
هذا وقت العمل
استعدوا للنضال
يحيا الاستقلال
كذلك لا نريد ونحن نتحدث في هذا المضمار أن نغفل عن بعض المرددات الخاصة كالأنشودات التي تغنيها الأمهات وهن يرقصن أطفالهن أو يداعبنهم، وكالأهازيج التي يرددها العمال للتنشيط والترفيه عن أنفسهم أثناء العمل، وكالأدعية التي يتسول بها الفقراء وغير هذه من المرددات التي لن نطيل بذكرها.
وبعد فهذه لقطات من أدبنا الشعبي الذي يندب حظه في زوايا الإهمال والنسيان، والأمل كبير في أن تعيره الدولة اهتمامها وتعمل على تكوين باحثين متخصصين يتصلون بالشعب في المدن والقرى والبيوت والأسواق والمجالس العامة والخاصة يسجلون أفكاره وقصصه وأمثاله وأغانيه وعاداته وعواطفه وطاقاته ومختلف ألوان حياته، ويدرسون في موضوعية ومناهج هذا التراث الذي لا زال حيا على لسان الشعب وفي قلبه وتقاليده ومعتقداته وفنونه معبرا أصدق تعبير عن شخصيته وعبقريته. على أننا لا نريد فقط أن نجمع تراثنا الشعبي لنحميه من الضياع ونحفظ له صفته الفولكلورية لنرى فيه ماضينا المجيد، وإنما نريد أن يكون هذا التراث أساسا يطوره الأدباء والفنانون ويخلقون منه شيئا جديدا يعني بالفنية وقيمها.
كذلك نريد أن يهتم بالفنان الشعبي لينهض بفنه ويأخذ مكانه في ميدان الأدب. وما من شك في أن هذا النهوض مرتبط بوجود النقاد الشعبيين الذين يدرسون تراث الشعب مزودين بثقافة شعبية هائلة إلى جانب ثقافة فنية وتجربة نقدية. حقا إنه مضى وقت لم يكن يهتم فيه بالفنان الشعبي وإنما كان يهتم بالنص على أنه نتاج مشترك بين عامة الشعب، ولكننا اليوم لا نريد أن ندرس الآثار الشعبية على أساس أنها حصيلة القيم الحضارية والفنية القديمة فقط، وإنما كذلك على أساس فنيتها أي بدراسة النص وصاحبه.
القاهرة: عباس عبد الله الجراري