سبحان مالك خواطر الأمرا
ونواصيها في كل حين وزمان
إن طعناه عطفهم لنا قرأ
وإن عصيناه عاقب بكل هوان
وممن برعوا في هذا اللون من الشعر غير المعرب ابن خبازة والحسن السبتي وغيرهما من الأسماء التي ظلت مجهولة لا ندري عنها شيئا.
كل هذا سبق أن ذكرناه وقلنا أن الملحون الذي لا زال يعيش بيننا حتى الآن ليس غير استمرار لعروض البلد ومرحلة من مراحل تطوره سواء في الشكل أو المضمون. والأسف شديد أن ذخيرة هذا العلم الموهوب ثم تسجل بعد يحتفظ بها الأشياخ (*) في صدورهم باعتزاز يضنون بها حتى على الدارس والباحث. ومع ذلك فقد حفظت لنا أسماء بعض الشعراء الأعلام كعبد العزيز المغراوي والتهامي المدغري والمصمودي وادريس الحنش وقدور العلمي، كما حفظت لنا قصائد (*) لا زال الناس يرددون بعضها كالحراز والعرصة والنحلة والتوسل والخادم مع الحرة وغيرها من القصائد التي أصبحت نموذجا ينسج المنشؤون عليه.
وبالرغم من شعبية الملحون فإنه لم يكن يعيش مع طبقة العامة من الناس فحسب، وإنما كان يعيش كذلك في بيئات خاصة كبيئة الصوفية الذين كانوا ينشدون قصائده في حلقات الذكر. ومن الأمثلة على ذلك قصيدة للحراق يقول في أولها:
جاد على برضاهالحبيب اللي حبيت
زارني وهم لي بالوصال
حين شرق نور بهاه
شفت حالي من ألقيت
حاط بي وقهرني بالفصال
كلي في الحق فناه
وأما الأغنية ـ ونقصد بها الأغنية الشعبية أو ما يطلق عليه الغناية ـ فنكاد تكون من الملحون لولا أن شكلها أضعف بناء وألفاظها أقل تهذيبا. والظاهر أن لها في كل بيئة ما يميزها، فخصائص الأغنية في مدينة أو قرية معينة هي غير خصائصها في مدينة أو قرية أخرى بل قد تختلف التسميات وتتشعب الأنواع من مكان إلى آخر، ومن طبقة إلى أخرى من الناس. ولسنا ندري إذا كانت هذه الأغنية التي تسمعنا الإذاعة إياها ممثلة بحق لألوان هذا الفن الشعبي كما يعيش في مختلف المناطق وعند كل الجماعات.
وكالأغنية نجد العروبي أو المزوكي يتخذ أشكالا تختلف باختلاف البيئات المحلية. وأهم ما نعرف منه ذلك اللون الذي تنشده نساء المدن حين يطنن. وللطيش موسم خاص هو أيام عيد الأضحى حيث تعلق المطيشة ـ أو المرجيحة كما يسمونها في الشرق ـ ويركبها البنات كل بدورها وتتصدى الأم أو الجدة لتطييشهن مغنية على كل واحدة. فهي تستهل مثلا بهذه المقدمة:
آنا نا نا نا والمحبوب اللي هويت
يبقى ديما قدامي
وتأخذ في ذكر أوصاف الطائشة ومحاسنها ثم تختم بذكر اسمها كأن نقول مثلا:
هاذك هي «فلانة»
المضوية على قلبي وعياني
ويأخذ الجميع أثر ذلك في الولاويل والزغاريد إلى أن تركب طائشة ثانية فتستأنف المغنية الإنشاد.
وأما الموال فمن الفنون التي لا يختص بها بلد دون آخر من بلدان الأمة العربية. وهو في كل منها يتميز بخصائص تحدد شكله وطابعه وإنشاده. فالموال في الشرق عامة يستهل بـ «باليل يا عين» في حين أنه في المغرب كالعروبي يفتح بـ «أنا نا نا نا .. » والموال العربي بعد هذا واحد أو يكاد أن يكون، فهو في الغالب بضعة أشطار من الشعر العامي تحكى في إيجاز حالة أو قصة لا يلبث المغني أن ينتقل منها إلى إنشاد قصيدته. وظننا أن الموال لم يكن في أول الأمر مقدمة للأغنيات وإنما كان فنا مستقلا بذاته ينشد
* هذا هو الإسم الذي يطلق على أصحاب الملحون منشئين ومنشدين
* القصائد هو الإسم الذي تعرف به مقطوعات الملحون