تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن عنترة يسعى وراء مهر عبلة هو ألف من النوق العصافير التي لا توجد إلا في العراق. وكما يدخل سيف مملكة الجان ونحل به مآزق وأزمات يدخل عنترة العراق لينير حربا مع النعمان بن المنذر. ويؤثر عنترة بعد ذلك فينتقل القتال إلى الدولة البيزنطية حيث النزاع بين العرب والفرس، ومنها إلى الحروب الصليبية حيث القتال بين الإسلام والنصرانية أو بين الحرية والاستعمار. وبعكس سيرة سيف التي تمثل الخلاف بين الساميين والحاميين فإن سيرة عنترة تمثل الصفاء بين الجنسين، فهي عرض شيق للقبائل العربية وعاداتها ونزاعاتها وما كانت تسعى إليه لمحو الفوارق الجنسية. أما الهلالية وتدور حوادثها الرئيسية في شمال إفريقيا، فتصور الصراع بين العرب والإسلام من جهة والبربر والوتنية من جهة أخرى. فبعد الحديث عن نسب الهلاليين وذريتهم وظهورهم في الجزيرة العربية تحدثنا القصة عن خروجهم إلى شمال إفريقيا، وتسمى هذه الحلقة بالتغريبة، لتصور لنا حملة تعريب البلاد ونشر الإسلام فيها. وبالرغم من أن قصة الهلاليين أكثر القصص التصاقا بالمغرب فهي على ما نعرف أقلها شيوعا وانتشارا. ولا شك أن هناك أسباب عملت على هذه الظاهرة نرجو أن نكتشف لنا عنها أبحاث أخرى تكون أكثر عمقا وتفصيلا.

وأما مجموعة ألف ليلة وليلة فأشهر من أن يتحدث عنها. فهي قصة الشعوب الإسلامية بكافة طبقاتها ومختلف ألوان حياتها، بالإضافة إلى ما تصوره من علاقات المسلمين بغيرهم من الأجناس وأصحاب الديانات الأخرى. وقد شاعت خرافاتها لدى الكبار والصغار وأصبحت مدار السمر في البيوت حيث تتصدى الأم أو الجدة لحكايتها في كثير من الإغراء والتشويق.

وقد كدنا ننسى نوادر جحا وما تصور من مآزق وأزمات تعرض لها في إقامته وتنقلاته ولكنه خرج منها بسلوك ذكي وأقوال ساخرة حكيمة هي عصارة تجارب في مختلف البيئات التي حل بها. فهو في هذا البلد أو ذاك وهو في السوق والبيت وهو مع ولده وزوجته وهو مع الناس وحمار، مع كل هؤلاء وفي أي مكان، يبدو جحا شخصية عربية شعبية مثالا للرجل الذي خالط الناس والحياة في كل زمان ومكان؟ وقد يبدو في بعض حكاياته وكأنه مغفل يلعب به ويسخر منه، ولكنه في الواقع نوع من السلوك يلجأ إليه سرعان ما يكشف عن خطة حكيمة.

ثن تصل إلى الإشعار وهي من أغزر أنواع التراث الشعبي إن لم تكن أغزره بالفعل، فنجد أنفسنا أمام خضم مختلفة أشكاله وألوانه، يحار الباحث في تبويبه ورده لأصوله. ومحاولة منا في هذا المضمار قسمنا الأشعار إلى الفنون الآتية:

الملحون

الأغنية

العروبي

الموال

فالملحون ـ وهو من اللحن سواء بمعناه الغنائي أو اللغوي ـ أهم هذه الأنواع وأقدمها. ولعله كما سبق أن أشرنا إليه (*) أثر من آثار الموشحات والأزجال أو هو استمرار لظهورها في المغرب.

فابن خلدون في مقدمته يذهب إلى أن أهل الأمصار بالمغرب قد استحدثوا فنا آخر من الشعر في أعاريض مزدوجة كالموشح نظموا فيه بلغتهم الحضرية وسموه «عروض البلد» وكان أول من استحدثه فيهم رجل من أهل الأندلس نزل بفاس يعرف بابن عمير.

وقد نظم قطعة على طريقة الموشح لم يخرج فيها عن مذاهب الإعراب إلا قليلا، فاستحسنه أهل فاس وولعوا به ونظموا على طريقته وتركوا الإعراب الذي ليس من شأنهم وكثر سماعه بينهم واستفحل فيه كثير منهم ونوعوه أصنافا إلى المزدوج والكازي والملعبة والغزل، واختلفت أسماؤهم باختلاف ازدواجهم وملاحظتهم فيها.

يقول ابن عمير في مطلع قصيدته:

أبكاني بشاطئ النهر نوح الحمام

على الغصن في البساتين قريب الصباح

ومن ملعبة الكفيف المكناسي الزرهوني يصف فيها هزيمة أبي الحسن المريني في القيروان.

* القسم الثاني من بحث الموشحات ـ مجلة دعوة الحق ـ السنة الخامسة ـ العدد الثالث.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٩٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٩٥٠