ثم تحدث بعد ذلك عن ديوان الإنشاء بمصر منذ تأسيسه إلى عهده وقسمه إلى خمس حالات ينبغي لمن يهتم بهاته النقطة من طلاب التاريخ والحضارة أن يرجعوا في تحليلها إلى الكتاب (*).
وانتقل بعد ذلك إلى الباب الخامس فتحدث فيه عن قوانين ديوان الإنشاء وترتيب أحواله وآداب أهله وذكر في الباب رفعة قدر صاحب هذا الديوان، وشرف محله ونقل عن ابن الطوير من كتاب «ترتيب الدولة الفاطمية» أنهم كانوا يلقبون هذا الكاتب بالديار المصرية كاتب الدست، قال القلقشندي: «وانتهى الأمر إلى أوائل الدولة التركية والحال في ذلك مختلف فتارة يلي الديوان كاتب واحد يعبر عنه بكاتب الدست، وربما عبر عنه بكاتب الدرج، وتارة يليه جماعة يعبر عنهم بكتاب الدست .. وبقي الأمر على ذلك إلى أن ولي الديوان القاضي فتح الدين بن عبد الطاهر في أيام المنصور قلاوون .. فلقب بكاتب السر، ونقل كاتب الدست إلى طبقة دونه من كتاب الديوان .. ثم قال والعامة يبدلون الباء من كاتب السر بميم فيقولون كاتم السر وهو صحيح».
وانتقل بعد ذلك إلى الحديث عما يتصرف فيه صاحب هذا الديوان بتدبيره وبصرفه بقلمه وجعل ذلك يتعلق باثني عشر أمرا.
الأمر الأول: التوقيع والتعيين، والمراد به الكتابة على الرقاع والقصص بما يعتمده الكاتب من أمر الولايات والمكاتبات في الأمور المتعلقة بالمملكة والتحدث في المظالم.
الأمر الثاني: نظره في الكتب الواردة عليه.
الأمر الثالث: نظره فيما يتعلق برد الأجوبة.
الأمر الرابع: نظره فيما تتفاوت به المراتب في المكاتبات، والولايات من الافتتاح، والدعاء، والألقاب، وقطع الورق ونحو ذلك.
الأمر الخامس: نظره فيما يكتب من ديوانه، وتصفحه قبل إخراجه من الديوان، فإن تعذر عليه ذلك أقام له نائبا حسن الفطنة، كامل الصنعة موثوقا به.
الأمر السادس: نظره في أمر البريد ومتعلقاته، وهنا تحدث عن النظم الدقيقة التي كانت متبعة في سير البريد.
الأمر السابع: نظره في أبراج الحمام ومتعلقاته، وقد كان الحمام البريدي يقوم مقام البرق في العصر الحاضر.
الأمر الثامن: نظره في أمور الفداوية وهم طائفة مكلفة باغتيال أعداء الملك ينسبون إلى الطائفة الاسماعيلية الشيعية ويعرفون بالفداوية لأنهم يفادون بالمال على من يقتلونه.
قال في مسالك الأبصار (*): «وهم يعتقدون أن كل من ملك مصر كان مظهرا لهم ولذلك يتولونه ويرون إتلاف نفوسهم في طاعته لما ينتقل إليهم من النعيم الأكبر بزعمهم» قال «ولصاحب مصر بمشايعتهم مزية يخافه بها عدوه لأنه يرسل منهم من يقتله ولا يبالي أن يقتل بعده، ومن بعثه إلى عدوه فجبن عن قتله قتله إذا عاد إليهم، وإن هرب تبعوه وقتلوه».
الأمر التاسع: نظره في أمر العيون والجواسيس وذكر القلقشندي ما يجب على الكاتب إزاء هذا الأمر من الاحتياط ونبه إلى الشروط التي تجب في الجاسوس، فذكر منها أن يكون ممن يوثق بنصيحته وصدفه، وأن يكون ذا حدس صالب وفراسة تامة تامة، أن يكون كثير الدهاء والحيل والخديعة وأن يكون له دربة بالأسفار ومعرفة بالبلاد التي يتوجه إليها، وأن يكون عارفا بلسان أهل البلاد التي يتوجه إليها، وأن يكون صبورا على ما لعله يصير إليه من عقوبة أن ظفر به العدو، ثم ذكر المؤلف توجيهات خاصة للكاتب في هذا الشأن، منها: أن يعين أسرة الجاسوس وأن يضفي عليها من الخبرات ما يدفع ذلك الجاسوس
* نفس المصدر من صفحة 95 إلى 100.
* لم يذكر القلقشندي اسم مؤلف هذا الكتاب وهو غالبا ما يستغني عن ذكر المؤلفين اعتمادا على شهرتهم وشيوع مؤلفاتهم، وهو لابن فضل الله العمري صاحب كتاب التعريف الذي تحدثنا عنه في المقال السابق طبع في مصر بعناية دار الكتب المصرية ج 1 ص 122.