وحينما تحدث المؤلف عن آداب الكتاب خص جانبا لحسن سيرتهم وشرف مذهبهم بحيث يعتمدون على الله في الأسرار والإعلان، وأن يكونوا صالحي النيات قاصدين بأعمالهم النفع العام، عاملين على إغاثة الملهوف، والأخذ بيد الضعيف، ملتزمين بحدود الدين، مقتصدين في طلب اللذات، ومقتصرين من ذلك على ما يقيم المروءة من أفضل الأخلاق وأشرفها، ثم تحدث عن حسن عشرتهم لكل من يحيطون به ملكا كان أو كاتبا أو من الدهماء، وهذا القسم من الكتاب يعتبر درسا خلقيا يحدد للكاتب طريق صلاحه ويهديه إلى حسن المعاملة ويمكنه من اكتساب الفضائل العامة التي لا يستغني عنها إذا ما أراد النجاح
وانتقل بعد ذلك إلى الباب الرابع، وقد تحدث فيه عن التعريف بديوان الإنشاء وعن أصل وضعه في الإسلام، فذكر أن الديوان اسم للموضع الذي يجلس فيه الكتاب، وأصله دوان ثم أبدلت إحدى الواوين ياء، ولذلك يجمع على دواوين، وعليه فهو عربي، قال النحاس: «والمعروف في لغة العرب أن الديوان الأصل الذي يرجع إليه ويعمل بما فيه، ومنه قول ابن عباس «إذا سألتموني عن شيء من غريب القرءان فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب»، ويقال دونته البتة، وإليه يميل كلام سيبويه، وذهب آخرون إلى أن أصله فارسي معرب، قال بذلك الأصمعي، واقتصر عليه الجوهري في صحاحه».
ثم ذكر المؤلف أن ديوان الإنشاء هو أول ديوان وضع في الإسلام، وأن النبي (ص) كان يكاتب امراءه وأصحاب سراياه من الصحابة ويكاتبونه، وكتب إلى من قرب إليه من الملوك يدعوهم إلى الإسلام وكتب كتاب القضية بعقد الهدنة بينه وبين قريش عام الحديبية، وكتب الأمانات وهذه الكتب كلها تتعلق بديوان الإنشاء، أما ديوان الجيش فقد كان عمر أول من أثبته ونظمه، أما ديوان الخراج فقد نقل المؤلف عن كتاب «عيون المعارف وفنون أخبار الخلائق» (*) للقضاعي أن الزبير بن العوام وجهيم بن الصلت كانا يكتبان للنبي (ص) أموال الصدقات وأن حذيفة ابن اليمان كان يكتب له خرص النخل وأن المغيرة ابن شعبة والحصين بن نمير كانا يكتبان المداينات والمعاملات، قال القلقشندي: «فإن صح ذلك فتكون هذه الدواوين أيضا قد وضعت في زمنه (ص) إلا أنها ليست في الشهرة .. كما تقدم من متعلقات كتابة الإنشاء
ثم ذكر بعد ذلك أسماء بعض الكتاب في صدر الإسلام وفي أيام الخلفاء الراشدين وفي عهد الأمويين إلى أن بلغ الأمر إلى العباسيين فأبدل السفاح اسم الكاتب باسم الوزير، ولقب أبا سلمة الخلال بذلك فكان أول من لقب بالوزرة في الإسلام، وأصبح ديوان الإنشاء مضافا إلى الوزارة فيكون الوزير هو الذي ينفذ أموره بقلمه، وتارة كان بفرد بكاتب ينظر في أمره ويكون الوزير هو الذي ينفذ أموره بكلامه ويصرفها بتوقيعه على القصص ونحوها ثم ذكر أشهر الوزراء والكتاب أيام العباسيين ثم بعد انقراض دولتهم ببغداد.
ثم تحدث عن المغرب والأندلس وذكر أن الكتابة لم تستقر بهما إلا بعد أن انقضى عهد الولاة وتأسست دول مستقلة كانت سببا في ازدهار الحضارة، وعلل ذلك بأن الكتابة صناعة لا يقوم لها أساس إلا على الرقي الحضاري فقال: «فأوائل الدول القريبون عهدا بالبادية لا عناية لهم بكتابة الإنشاء، وإذا استحضرت الدولة صرفت اهتمامها إلى ديوان الإنشاء وترتيبه» (*).
ثم ذكر من اشتهر بالبلاغة من كتاب المغاربة، فذكر منهم أبا الوليد بن زيدون، والوزير أبا حفص ابن برد الأصفر الأندلسي، وذا الوزارتين أبا المغيرة ابن حزم، والوزير أبا القاسم محمد بن الحد، وعبد المهيمن كاتب السلطان أبي الحسن المريني، ولسان الدين ابن الخطيب وزير ابن الأحمر صاحب غرناطة من الأندلس.
* ذكر القلقشندي هذا المصدر في تحليله للمقالة الأولى وسماه عيون المعارف في ذكر أخبار الخلائف وكثيرا ما يغير المؤلف أسماء بعض الكتب أو أسماء بعض المؤلفين وسالبه على ذلك في بحث خاص حول المصادر التي اعتمد عليها القلقشندي في كتابه (صبح الأعشى) ج 1 ص 91 وصفحة 307.
* صبح الأعشى ج 1 ص 94