إلى الإخلاص والتفاني، قال: «وعليه أن يحترز عن تعرف جواسيسه بعضهم بعضا لاسيما عند التوجه للمهمات، وإن استطاع أن لا يجعل بينه وبينهم واسطة فعل»، ولقد اعتنى المؤلف بتحليل هذا الأمر نظرا لأهميته في تسيير الدولة، وأنا أهيب بالقراء أن يرجعوا إلى الأصل ليطلعوا على الوجهة التفكيرية التي كان يمتاز بها الفكر العربي الجبار (*).
الأمر العاشر: نظره في أمور القصاد الذين يسافرون بالمطلقات من الكتب وهؤلاء تكون لهم القدرة على المشي والسرعة فيرسلون ببعض الرسائل الهامة ويطالبون بإرجاع الأجوبة عنها وهم أقدر على الاختفاء وأعرف بمسالك الطرق، ويرسل الملك منهم اثنين كل واحد منهما مستقل بوجهته حتى إذا اعترض العدو إحداهما بلغ الآخر إلى مقصده.
الحادي عشر: نظره في أمر المناور والمحرقات، أما المناور فأمكنة خاصة مرتبة برؤوس الجبال العالية كان يقوم بها أقوام لهم رزق على السلطان، وإذا شعروا بتحرك النثار وكان الوقت ليلا أشعلوا النيران إشعارا بالخطر، وأما المحرفات فقوم كانت وظيفتهم إرهابية ضد النتار، (كانوا يتحيلون على إحراق زرعهم بأن تمسك الثعالب ونحوها وتربط الخرق المغموسة في الزيت بأذناب تلك الثعالب وتوقد النار وترسل في زرعهم إذا يبست فيأخذها الذعر من تلك النار المربوطة بأذنابهم فتذهب في الزرع آخذة يمينا وشمالا، فما مرت بشيء منه إلا أحرقته، وتواصلت النار من بعضها إلى بعض فتحرق المزرعة عن آخرها) قال القلقشندي وهذان الأمران قد بطل حكمها من حين وقوع الصلح بين ملوك مصر وملوك النتار.
الثاني عشر: نظره في الأمور العامة مما يعود نفعه على السلطان والمملكة عليه أن يسرع في أخبار السلطان بكل ما يصل إليه وأن ارتاب في خبر المخبر أحضره معه إلى السلطان ليشافهه فيه حتى يكون بربنا عن تبعته.
وانتقل بعد ذلك إلى الحديث عن وظائف ديوان الإنشاء وأنواع الكتاب على اختلاف درجاتهم وعن وظائف تتعلق بهذا الديوان وليست من الكتابة، فذكر منها وظيفتين هامتين الأولى وظيفة الخازن المحافظ على جميع الكتب السلطانية والمراسم العامة ويجب أن يكون أمينا لأن زمام جميع الديوان بيده، فمتى كان قليل الأمانة ربما أمالته الرشوة إلى إخراج شيء من المكاتبات من الديوان وإفشاء سر من الأسرار فبضر بالدولة ضررا كبيرا»، والثانية وظيفة الحاجب ومهمته أن يقف حاجزا دون دخول أي شخص على كاتب الديوان إلا بعد استئذانه وفي ذلك حفظ لأسرار الدولة ولقد تحدث المؤلف عن الحال الذي استقر عليها كتاب الديوان في عصره وأنهم طبقتان، كتاب الدست وكتاب الدرج وبذلك أنهى مقدمة كتابه.
فإلى اللقاء مع المؤلف في المقالة الأولى.
فاس ـ محمد بن عبد العزيز الدباغ
* صبح الأعشى ج 1 ص 123 ـ 124 ـ 125 ـ 126.