وما يروى أن النابغة الجعدي كان سيدا في قومه، لا يقطعون أمرا دونه، وأن قول الشعر نقصه وحط رتبته .. ولا عبرة بما ذهب إليه بعضهم من تفضيل الشعر على النثر أتباعا لهواه بدون دليل واضح).
وأنا أرى أن المؤلف في دفاعه عن النثر لم يكن واقعيا، فإن العلل التي جعل بها الشعر سخيفا إنما كانت في المفاضلة بين الضعيف من الشعر والمتين من النثر، مع أن الشعراء المجيدين والمطبوعين يأتون بشعرهم وليس فيه من المعاضلة والتعقيد ما يجعله في الدرجة التي صوره بها القلقشندي كما أن من الكتاب من يصوغ نثره معقدا غامضا لا جمال فيه ولا إبداع.
ولتأكيد هذه الملاحظة نشير إلى قول زكي مبارك في كتابه النثر الفني (*): (وتفسير القلقشندي لرأيه غير كاف ولا سديد، فإن الشعر الذي نوازن بينه وبين النثر ليس هو الشعر الذي تكون معانيه تابعة لألفاظه دائما تبعا لمعانيه، والنظم الجيد بفرض ذلك في الشعر والنثر على السواء).
ثم انتقل المؤلف إلى الباب الثالث وتحدث فيه عن صفات الكتاب وآدابهم وجزأ الصفات إلى ضربين: صفات واجبة لا يسع إهماله وصفات عرفية فقط.
أما الصفات التي يجب في الكاتب فقد حددها بعشر صفات:
الأولى: الإسلام ليؤمن فيما يكتبه ويميله، ويوثق به فيما يذره ويأتيه قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خيالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، والمراد بالبطانة في الآية من يطلع على حال المسلمين كالاطلاع على مقدار خزانتهم من المال وإعداد جيشهم من الخيل والرجال.
الثانية: الذكورة قال: «إن أصحابه الشافعين يشترطون في كاتب القاضي أن يكون ذكرا وهذا الشرط في كاتب السلطان أولى».
الثالثة: الحرية.
الرابعة: التكليف.
الخامسة: العدالة قال: «لأنه لو زاد أدنى كلمة، أو حذف أيسر حرف، أو كتم شيئا قد علمه، أو تأول لفظا بغير معناه، أو حرفه عن جهته، أدى ذلك إلى ضرر من لا يستوجب الضرر ونفع من يجب الإضرار به»، ولله در القائل:
ولضربة من كاتب ببنانه *** أمضى وأقطع من رقيق حسام
قوم إذا عزموا عداوة حاسد *** سفكوا الدما بأسنة الأقدام
السادسة: البلاغة.
السابعة: وفور العقل وجزالة الرأي.
الثامنة: العلم بمواد الأحكام الشرعية والفنون الأدبية وغيرها.
التاسعة: قوة العزم، وعلو الهمة، وشرف النفس.
العاشرة: الكفاية لما يتولاه، لأن العاجز يدخل الضرر على المملكة ويوجب الوهن في أمر المسلمين.
وأما الصفات العرفية فقد كان أكثرها يرجع إلى وصف حالته وما يجب أن يتحلى به ظاهريا وباطنيا، ومما نقل في ذلك قول المهذب بن مماتي في كتابه قوانين الدواوين: «ينبغي أن يكون الكاتب أديبا، حاد الذهن، قوي النفس، حاضر الحس، جيد الحدس، حلو اللسان، له جرأة يثبت بها الأمور على حكم البديهة، وفيه تؤدة يقف بها فيما لا يظهر له على حد الرؤية شريف الأنفة، عظيم النزاهة، كريم الأخلاق مأمون الغائلة مؤدب الخدام».
* النثر الفني لزكي مبارك الطبعة الأولى الجزء الأول صفحة 28.