إلى العمل على تحسين صناعتهم وتهذيب ذوقهم وتدريب ألسنتهم على التعبير الصحيح مثل قول الشاعر:
يعي غير ما قلنا ويكتب غيرها *** يعيه يقرأ غير ما هو كاتب
وقول الآخر:
وكاتب أقلامه *** معودات بالغلط
يكشط ما يكتبه *** ثم يعيد ما كشط
وقول الآخر:
تعس الزمان فقد أتى بعجاب *** ومحا فنون الفضل والأداب
وأتى بكتاب لو انبسطت يدي *** فيهم رددتهم إلى الكتاب
قال القلقشندي: «وإنما تقاصرت الهمم عن التوغل في صناعة الكتاب والأخذ منها بالحظ الأوفى لاستيلاء الأعاجم على الأمر، وتوسيد الأمر لمن لا يفرق بين البليغ والأنوك لعدم إلمامه بالعربية والمعرفة بمقاصدها حتى صار الفصيح لديهم أعجم والبليغ في مخاطيتهم أبكم ولم يسع الأخذ من هذه الصناعة يحظه إلا أن يقول:
وصناعتي عربية وكأنني *** ألقى بأكثر ما أقول الروما
فلمن أقول؟ وما أقول؟ وأين لي *** فأسير لا بل أين لي فأقيما؟
وإن هاته الملاحظة لتمثل الجانب الإيجابي في الطريقة المنهجية التي سار عليها القلقشندي في كتابه فهو لا يكتفي بنقل النصوص والاستدلالات ولكنه يعلل النتائج ويظهر الأسباب غير آبه بما قد توقعه فيه ملاحظاته من مهالك ولا محتفل بما يفرضه عليه النفاق الاجتماعي إزاء الحاكمين.
أما الباب الثاني فنحدث فيه أولا عن مدلول الكتابة لغة واصطلاحا، فذكر أن الكتابة في اللغة لها معنيان: المعنى الأول الجمع ومنه قبل لجماعة الخيل كتيبة، وللخط كتابة لجمع الحروف بعضها إلى بعض، والمعنى الثاني العلم ومنه قوله تعالى: (أم عندهم الغيب فهم يكتبون)، أي يعلمون.
وأما في الاصطلاح فقد ذكر أنها وإن كثرت أقسامها وتعددت أنواعها فإنها لا تخرج عن أصلين هما كتابة الإنشاء، وكتابة الأموال، قال: إلا أن العرف فيما تقدم قد خص لفظ الكتابة بصناعة الإنشاء ثم غلب في زمانه بالديار المصرية اسم الكاتب على كاتب المال، وصار لصناعة الإنشاء إسمان: خاص يستعمله أهل الديوان ويتلفظون به وهو كتابة الإنشاء، وعام يتلفظ به عامة الناس وهو التوقيع، ثم قال وقد يعبر عنها بصناعة الترسل تسمية للشيء بأعم أجزائه، وعلى ذلك بنى الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي رحمه الله تسمية كتابه: (حسن التوسل إلى صناعة الترسل)
وبعد أن ذكر اختصاصات كل من الكتابنبن قال: (ولا شك أن لكل من النوعين قدرا عظيما وخطرا جسيما، إلا أن أهل التحقيق من علماء الأدب ما برحوا يرجحون كتابة الإنشاء ويفضلونها ويميزونها على سائر الكتابات ويقدمونها)، ونقل جزءا من المقامة الفراتية للحريري التي يقول فيها (اعلموا أن صناعة الإنشاء أرفع، وصناعة الحساب أنفع، وقلم المكاتبة خاطب، وقلم المحاسبة حاطب .. الخ).
ولما كانت كتابة الإنشاء تحتاج إلى النثر أكثر من الشعر قدم فصلا في هذا الباب لتفضيل النثر وقال: (أن النثر أرفع درجة من الشعر وأعلى رتبة، وأشرف مقاما وأحسن نظاما)، وعلل ذلك ذلك بقوله: (إذ الشعر محصور في وزن وقافية يحتاج الشعر معها إلى زيادة الألفاظ والتقديم فيها والتأخير، وقصر الممدود وتبديل اللفظة الفصيحة بغيرها، وغير ذلك مما تلجئ إليه ضرورة الشعر فتكون معانيه تابعة لألفاظه، والكلام المنثور لا يحتاج فيه إلى شيء من ذلك فتكون ألفاظه تابعة لمعانيه، ثم استدل بقول صاحب (مواد البيان): (وقد أحست العرب بانحطاط رتبة الشعر عن الكلام المنثور كما حكي إن امرأ القيس ابن حجر هم أبوه بقتله حين سمعه يترنم في مجلس شرابه بقوله:
اسقيا حجرا على علاته *** من كمبت لونها لون العلق