دعوة الحق، س.6، ع6 /مارس 1963 .................... ص 34
نظرات حول كتاب "صبح الأعشى" للقلقشندي
للأستاذ: محمد بن عبد العزيز الدباغ
- 2 -
حينما قدمت بحثا عاما حول كتاب صبح الأعشى وعدت القراء بأن أقدم إليهم صورة مصغرة عنه تستمد عناصرها من الكتاب ذاته فتقر به إليهم وتدلهم على فحواه حتى إذا كانوا في حاجة إلى البحث عن موضوع خاص وقد تحدث عنه الكاتب رجعوا إلى الأصل واستمدوا منه ما هم في حاجة إليه.
وإن مثل هذا التقديم أصبح ضروريا لمثل هاته الكتب الكبرى فهو يستميل القراء إلى المطالعة ويرشدهم إلى المصادر التي يحتاجون إليها سواء كانوا يرغبون في الثقافة العامة أو كانوا يهتمون بالدراسة الخاصة لموضوع ما.
وقد بيننا من قبل أن كتاب صبح الأعشى يشتمل على مقدمة وعشر مقالات وخاتمة وسأخصص حديثي الآن حول المقدمة فقط (*).
قسم المؤلف مقدمة الكتاب إلى خمسة أبواب: تحدث في الباب الأول عن فضل الكتابة ومدح بعض الكتاب وذم آخرين.
أما الكتابة فقد نقل أدلة نقلية دينية وأدبية تظهر فضلها وتبين عن جلالها فقال: «أعظم شاهد لجليل قدرها وأقوى دليل على رفعة شأنها أن الله تعالى نسب تعليمها إلى نفسه واعتده من وافر كرمه وأفضاله فقال عز اسمه (إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم)، مع ما يروى أن هذه الآية والتي قبلها مفتتح الوحي .. ثم بين شرفها بأن وصف بها الحفظة الكرام من ملائكته فقال: (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين) .. ثم أقسم بالقلم الذي هو آلة الكتابة فقال (والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون).
ثم ذكر المؤلف أن النبي (ص) قال: (قيدوا العلم بالكتاب)، وذكر قول ذي الرمة لعيسى بن عمر: (أكتب شعري فالكتاب أعجب إلي من الحفظ، إن الأعرابي لينسى الكلمة قد سهرت في طلبها ليلة فيضع موضعها كلمة في وزنها لا تساويها، والكتاب لا ينسى ولا يبدل كلاما بكلام).
وأما الكتاب فقد مدح فضلائهم وذم الناقصين منهم وهم في مدحه يعتبر المقياس الصالح الموازنة يعتمد على الكفاية والذكاء والقدرة على التعبير الفني الجذاب قال: (أحسن ما مدح به كاتب قول ابن المعتز:
إذا أخذ القرطاس خلت يمينه
تفتح نورا أو تنظم جوهرا
وغير خاف أن استحسانه راجع إلى تذوقه للجمال وأعجابه بالأسلوب الفني الرائع، واعتداده بالفصاحة والبيان مع جمال الخط ووضوحه.
وأما ذمه للناقصين من الكتاب فقد كان لاذعا، وقد وقف في اختيار أبيات شعرية تعتبر مثالا للشعر الهجائي الساخر الذي يدفع ضعاف الكتاب
* الجزء الأول من صفحة 35 إلى 140.